حسن السلوك: الجزء الثالث
تجاهل أمير لي ورد فعله العنيف تجاه تقّربي منه ... صعّبت الأمر عليا ... أنا والدته نعم لكني لم أكن أما أبدا بالنسبة له ... ذرفت دموعا طويلة وأنا أتحسّر على ما مضى ... بيتنا حوّله زوجي لأشبه بالمعسكر ...
كلّ شيء فيه بنظام ... الأكل ... النوم ... الترتيب ... طاعة عمياء وإنجراف وراء قراراته كانت نتيجتها أني فقدت شخصيتي التي ذابت بين أمواج سلطته ...
أمير كان مثالا للفتى المهذّب المطيع ... حسب معيار والده طبعا ... والمعايير تختلف من شخص لآخر ... تأنيب الضمير وروح الأمومة مع النقمة الوليدة على زوجي جعلتني أصرّ على تغيير كل شيء ... فلتسقط القيم والمبادئ ....
سألغي كلّ معيار يحدد لي طريقة عيشنا ... لسنا قطارات تلتزم بسكة معينة ... الطرق في الحياة متشعّبة ... النجاح ليس مرتبط بإطار معيّن ...
إنتظرت خروجه في اليوم الموالي ... دخلت غرفته أبحث عن شيء لم أحدده ... الفوضى تعم المكان ... ملابسه الجديدة كما هي ... لم يتقبّل هديتي ...
رفضه كان ردة فعل طبيعي ... ربما مواصلته في التمرّد ... فتحت جهاز الحاسوب ... طرازه قديم ... لم أجد فيه ما يشبع فضولي ...
لا صور لا ملفات مخفية ... طبعا ليس متصلا بالنت ... مجرّد ألعاب تجاوزها الزمن ...
خيبة أملي المتوقعة هزمت النوم ليلتها ... خطوات مثقلة تقودني تجاه مكتب الناظر ... كلماته كانت كالرصاص وهو يتساءل عن وضعية إبني ... متغيب منذ بداية السنة ... النتيجة سيقع فصله نهائيا إن لم يلتحق ...
وضعت يدي على خدي وانا أفكّر بحل ... ما المشكلة إن وقع فصله ... ربما سيبحث عن صنعة يتعلمها ... تخيّلت أصابعه الرقيقة ... ما طبيعة العمل الذي يمكنه القيام به ؟؟
ثقل صدري ... إضطررت للإتصال بطبيب والحصول على شهادة طبية تغطي غيابه حتى آخر الشهر ... مهلة من الزمن علي أجد حلا ...
أسبوع مضى دون جديد ... لم أخبره عن قاعة الألعاب فهو لم يتقبّل أي محاولة مني للتقرّب منه ... تجاهله صار يقتلني ... الشيء الوحيد الذي برّد خيبتي هو عودته المبكرة كل يوم ...
كنت أميز من الغيظ كلّ ما لاحظت التغيرات على سلوك هيثم ... ذلك الولد المقرف الكسول ... تحوّل لنجم حوارات مجلس التدريس ... كتلة نشاط تتقد ...
غياب حسين فسح له المجال لبداية تزعّم أترابه في الفصل ... زعامة تختلف عن سلوك حسين ... كنت أتمنى رؤية أمير يتحوّل ليصبح مثله ... لكن ما السبيل لذلك وهو يصد كل الأبواب في وجهي ...
كنت أخاف مواجهته ... ربما ستؤدي لنتيجة كارثية ... لا يمكنني توقع تصرّفاته ... لكني أخشى عليه ...
ليالي طويلة أفكر عليّ اهتدي لطريقة عبثا ... الأيام تتشابه ... نهاية الأسبوع ...نهضت من سريري ... أردت الهرب من كآبتي ... توجهت نحو صالون التجميل ... ترحاب و بشاشة غمرتني من صاحبة العمل والعاملات ...
إحساس بالسعادة يهز كياني ... لا أعلم لمذا ؟؟؟ ... كلما أرى نفسي جميلة تتزين الدنيا لي ... نعم تلك هي المعادلة ... كما تعطي تأخذ ...
تعجّبت من تحرر السيدات في الحديث ... كل المحرمات هنا مباحة ... هذه تصف ليلة حمراء قضتها ... والأخرى تتحسر حزنا من جفاف أصاب ما بين فخذيها ... الكلمات الجنسية القبيحة لها وقع خاص لما تخرج من شفاه النساء ...
قارنت نفسي بجميع الحاضرات ... لا أشبه إحداهن وكلّهن يشبهنني ... قررت التخلي عن موضوع أمير نهائيا ... فليفعل ما يحلو له وسأسانده في أي قرار ... سأتركه يحدد مصيره بيده ...
ربما بهذه الطريقة أجد متسعا في صدري للإهتمام بنفسي ... خرجت من الصالون تحملني بسط السعادة السحرية تطير بي من نهج لآخر ... همسات ونظرات بعض الشباب تزوّد خزان الفرحة لتزيد سرعة إنطلاقي ...
دخلت أحد المقاهي الفخمة على ضفاف الكرنيش ... رائحة القهوة السوداء تداعب أحاسيسي ... ونظرات الشباب تدغدغ ما بين فخذي ...
سيدة في منتصف العمر تجلس وحيدة في ركن منزوي ... متأنقة بتنورة زرقاء تراجعت بفعل الجلوس حتى منتصف الفخذ ... لتكشف عن لحم أبيض يبحث عن من يكتشف صبره ... قميص ضاق بإنتفاخ الصدر الذي يبحث عن من يغذي جوع لازمه منذ مدة ...
لا يمكن تفسير تواجدي إلا بأن وحيدة تبحث عن أنيس ... رحت أجيل النظر خلسة بين الزبائن القلّة ... إما أزواج أو أحباء يتبادلون أطراف الحديث ... أو مجموعات تعلو ضحكاتهم بين الفينة والأخرى ...
لفت إنتباهي شاب وسيم ... عيناه الخضراوان ترمقاني بخجل ثمّ تهربان مني خوفا من كشفهما ... تمليّت دون خجل ملامح وجهه الجميل ... غاصت عيني بين عضلات ذراعيه وصدره ...
أنيق وشاب وجميل ... يجلس وحيدا ... لا أعلم هل سلب لبي أم أني فقد حذري ... ركّزت نظري نحوه ... كنت أنتظر أن يرفع رأسه نحوي لأبتسم له ... هكذا فكّرت ... سأبادله بالإبتسامة وليكن بعدها ما يكون ...
عيل صبري ... لم ينظر نحوي حتى ساورني الشك أني مخطأة ... حرقة أصابت بين فخذي وتصلّب يشدّ عضلات مؤخرتي ... كنت أتخيّله شريكا لي في مغامرة وردية تروي شبقي ...
لم أعد أطيق صبرا ... توجهت نحو الحمام ... تخيّلت أن حركتي ستسحب نظره نحوي لكنه لم يفعل ... وقفت أمام المرآة طويلا أراقب هيأتي ...
تخيّلت نفسي جذّابة ... سأبادره بالحديث علّه يغلب خجله ... ماذا سأقول ؟؟ كم الساعة ؟؟ سأتظاهر أني غريبة عن المدينة وأسأله عن وجهة معينة ؟؟
طريقة تبدو منطقية لبدأ الحديث ... الحظ وقوده الجرأة ... لن أضيعه من بين يدي كما ضاع حسين ...
إستجمعت شجاعة لا أمتلكها ... تأكدت من هندامي وخرجت واثقة الخطى ... خطوات قليلة تفصل نبض قلبي أن يصم أذنيه ... كنت أصارع شفتي الّلتان تجمدتا أن تتحرّك ...
وقفت بجانبه ... شعره اللين الفاتح تفوح منه رائحة مرهم يعكس عناية ... عطره أخذني ... كدت أن أنطق حين رفع رأسه مبتسما ... لم يبتسم لي ... شابة في بداية العشرينات تلوّح له وتتوجه نحوه ...
إنسحاب بمرارة هزيمة في معركة لم أخضها ... شكرت القدر أنه تلطّف بكرامتي قبل أن تتبعثر على خطوات رغبتي ...
مؤخرتي إنغرست في الكرسي تشدني للأسفل مانعة الحركة ... خنقتني العبرة وأنا أراه يهتم بها ... هي حبيته لا شك ؟؟؟ شاب بهذه الأناقة والجمال لن يترك وحيدا أبدا ... كيف توهمت أنه سيهتم بي ... أنا التي سنها يقارب ضعف عمره ...
حمرة غطت بياض عيني السمراوتين ... حرقة الدمعة التي جاهدت أن لا تنسلّ مني ... لم أجد ملجأ أخفي فيه خجلي وحسرتي سوى هاتفي ...
رحت أقلّب دون هدى ... أحيانا أسترق النظر للتأكد أن أحدا لم يكتشف فضيحتي ... بدأت ألملم شتات روحي حين دخلت مجموعة من الشباب لتحدث ضوضاء كسرت سكون المكان وجماد نفسي ...
وجوههم مألوفة ... كانوا يوما بعض تلاميذي... تحوّل حنقي لإمتنان ... تخيّلت ماذا كان يمكن أن يحدث لو دخلوا ووجدوني أجالس شاب في سن ولدي ؟؟؟ سلامة سمعتي رتقت شرخ كرامتي ...
إنسحبت دون أن يلمحني أحدهم وأسرعت أطوي الطريق هربا ... أين المفرّ ؟؟؟ في البيت خيبة وفي الشارع خيبات ... قادتني خطاي لمحل عائشة ... لا أعلم كيف إقتحمته وجالستها ...
قابلت إعتذاري بترحاب كبير ... دعتني على الغذاء في أحد المطاعم ... لم أجد بدا من قبول دعوتها ... أي شيء يخفف عني مصابي ...
لم أعلم كيف تجرأت وقصصت عليها كلّ ما جرى لي منذ زيارتها آخر مرّة ... لم أعلم هل جرأة أم حماقة ؟؟ كشفت أسرارا لسيدة لم أعرفها إلا منذ فترة وجيزة ... لكني كنت مرتاحة لذلك ... عبئ وإنزاح عن صدري ... الفضفضة مريحة للنفس ...
المريح أكثر هو تفهمها لحالتي ... بالعكس نزعت عني كلّ شعور بالذنب ... كلامها كقطرات ندى تبلل صحراء ألمي ...
- يعني مش فاهمة إنتي زعلانة من نفسك ليه ؟؟؟ الموضوع طبيعي جدا ؟؟؟
- إنت تشوفيه طبيعي ؟؟؟
- وأكثر من الطبيعي ... أولا إنت لسة صغيرة وحلوة وجذّابة ... ثانية مجروحة من خيانة زوجك ... ثالثا كل شيء في حياتك إتبعثر ... ما حدش يقدر يستحمل كل داه
- (كنت سأبكي لكني تمالكت نفسي) مش قادرة ... مش قادرة
- أهوه يعني كل إلي حصل طبيعي بس مش متوضب وخلاص ؟؟؟
- مش فاهمة ؟؟؟
- يعني أي وحدة محرومة وعندها فراغ عاطفي وجسدي طبيعي إنها تتأثر بمشهد زي إلي شفتيه في الشباّك ... إنجرافك وراه داه مش حب بس شوق للجنس ... ولأن الموضوع عجبك فبقيتي بتشوفيه الراجل الوحيد إلي يعجبك ... والدليل بعدها جذبك الراجل إلي في الكافيه صح ؟؟؟؟
- صح ؟؟؟ بس تقصدي إيه
- هي الرغبة في راجل يمتعك ... والسر في إنجذابك للشباب هو كرهك لزوجك
- و الحل ؟؟؟
- مش لازم تستسلمي من أوّل محاولة ... ممكن حظّك المرة دي ما إبتسمش المرّة الجاية يضحكلك ...
لم أستسغ تشجيعها لي على محاولة إيجاد عشيق ... رغم أن كلامها لامس المنطق في كل شيء ... راحت تأكد عليا إلتزام الحذر ... مجتمعنا لن يتفهم وضعيتي ... الحذر والسريّة ...
توادعنا على وعد كاذب مني بتكرار الزيارة ... هذه الشيطانة تزين لي طريقا بدأت أخافه ... ألف فكرة وألف طرق كلها مسدودة أمامي ... السريّة والحذر ؟؟؟ ما أسهل النظريات ؟؟؟
لإيجاد عشيق يمتعني ... يجب أولا أن يعجبني ؟؟؟ والأهم أن يعجب بي ؟؟؟ أن يحبني كما سأحبه ؟؟ يخاف عليا ؟؟؟ لا يشكل خطرا على سمعتي وعائلتي ؟؟؟ إن كان شابا فهو خطر دائم ويوما ما سيتركني ليواصل حياته ؟؟؟ وإن كان كهلا فالرجاء منقطع منه بفعل الزمن فيه ... مواصفات يستحيل إيجادها ؟؟
وإن وجد هذا الشخص النادر ... أين أجد المكان الآمن والظروف المريحة ؟؟؟
يلزمني ألف عمري مثل عمري ولن يتحقق ... وإن أعدت الكرّة في محاولة صيد مؤقتة كالتي هممت بها ... بوابات الجحيم يمكن أن تفتح أمامي ...
ألقيت ورود رغبتي وأطفيت شموع شبقي وعدت لأرض الواقع ... ذلك نصيبي من الحياة وإنتهى الأمر ... أنا السيدة المحترمة المهابة لن أضحي بذلك لأجل متعة زائلة ...
رجعت لقواعدي لا غالبة ولا مغلوبة ... سأواصل عملي ... وضعي بالبيت سأتأقلم معه ... أمير ؟؟؟ ليس أول شاب ترك مقاعد الدراسة ... سيضجر من وضعه وسيطلب المساعدة ...
الأسابيع القليلة الماضية غيّرت كل شيء في حياتي .... سأواصل العناية بنفسي ... لكني سأحافظ عليها ... قدرتي على كبت رغبتي كلّ تلك السنين لن تعجز على مواصلة سنين أخرى ...
عدت للعمل كالعادة ... البيت كالمعتاد ... فقط هيثم الذي صار يتقد حماسا ورغبة في النجاح والحياة ... لم أتخيّل أن أحدا كان قادرا على تحقيق تلك المعجزة بأي طريقة أخرى ...
شيء رائع سببه عزوفي عن الأكل لمدة طويلة ... فقدت بعضا من الوزن ... تلك الترهلات بدأت تتلاشي حول بطني ...
أصررت بعدها أن أعيد شكلي كما كان ... واظبت على رياضة المشي كلّ مساء ... أخرج من بيتي في ملابس رياضية وأجول أغلب أحياء المدينة ... ثم أعود للإستحمام والنوم ... بدأ ذهني يصفى ...
معاكسات الشباب لي كانت تكفي لهفتي ورغبتي المتقدة للجنس ... رغبة كنت أفرغها بنفسي تحت حمامي و ينتهي الأمر ... لم يقنعني الأمر حتى صرت أتحاشاه ....
شيء واحد بقي يخنقني ... المهلة الطبية المزيفة تشارف على النهاية ... بدأ اليأس يتسلل لقلبي ... أمير ؟؟؟ نكبة حياتي المتواصلة ...
كعادتي في مساء آخر الأسبوع ... خطوات نشيطة أجول بها شوارع المدينة ... صوت ينادي خلفي ... كنت تعودت المعاكسات وآهات الإعجاب والمراودة ... لكن بمثل هذا الإصرار كانت أوّل مرّة تحدث ...
إلتفت خلفي ... وجه مألوف يبتسم لي ... لم يكن صعبا تذكّره ... ذلك الشاب الذي إستعملته يوما للتلصص على أمير ... إستوقفني متأسفا ...
- إزيك يا هانم ؟؟
- تمام إزيك إنت ؟؟
- إنت فاكراني ؟؟؟
- (لويت شفتي وذقني متعجبة من سؤاله) طبعا أخبارك إيه ؟؟؟
- أنا آسف إني بكلّمك كده بس أنا عاوز منك خدمة ؟؟؟
- إن كان في مقدوري ؟؟ أمرك ؟؟؟
- لا العفو .. مش عارف أبتدي منين ...
راح يقص عليا مشكلته ... يريد الحصول على قرض من أحد بنوك التنمية ... قروض أحدثتها الدولة لإنشاء مشاريع صغيرة للحد من بطالة الشباب ... فكرة كانت ستقضي على البطالة لولا الشروط التعجيزية للحصول عليها ... من تتوفر فيه تلك الشروط لن يكون بحاجة لمثل تلك القروض من الأساس ...
أفهمني أنه يريد إفتتاح محلّ حدادة ... كل وثائقه تامة ... سوى شرط الضامن ... يجب على موظف قار في الدولة أن يظمنه عند البنك ... المبلغ أتفه من أن تخشى الدولة ضياعه في حين تذوب الملايين في بطون المستكرشين دون ضمان ...
كلامه عن ملله من البطالة ورغبته في وضع حد لضياع سنوات عمره جعلني أتعاطف معه ... لا أعلم لماذا ؟؟؟ أحسست الصدق في كلامه ...
كنت أرى أمير بعد سنوات قليلة في مثل وضعه يدفع ثمن خطأ لن تسامحه عليه مطاحن الحياة ... وعدته بمساعدته ... وواعدته غدا عند باب المعهد ...
كاد يقبّل قدمي فرحة ... ثقلت خطواتي من هم هذا الوطن الذي يخصي أولاده ... فجأة خطرت ببالي فكرة يمكن أن تكون طرف خيط السيطرة على أمير ...
تقابلنا .... ذهبت معه للبنك شريطة أن ينفذ طلبا لي ... وافق دون شروط ... توجهت لأحد محلات بيع الهواتف الجوّالة ... إشتريت أحدث طراز ... أفهمته أنه عليه تقديمه لأمير في شكل رهان على إحدى الألعاب ...
لم يستسغ الأمر ... لكنه وافق بعد أن عدّل في الخطة .. يعني عليه ملاعبته على مبالغ تافهة وهي عادة سائدة ...كأن يدفع الخاسر ثمن اللعب ... أو شيء كذلك ثم يكبر الرهان ... كما أن أمير ليس باللاعب الماهر .... لم يكن أمامي سوى الإنتظار حسب قوله ...
في حالتي أصعب شيء يمكن أن أفعله هو الإنتظار ... فالمهلة شارفت على النهاية كما أن زوجي عاد من مهمته ... راحة عمل لمدة أسبوع ... بوادر تنذر بوقوع حرب ... وجوده بالمنزل طوال النهار مع أمير في دائرة ضيقة ... كالبنزين والنار ...
كنت سأطير من الفرح يوم لمحت الهاتف الجديد في يد إبني وهو عائد من سهرة مزهو بنصره فيها ... كنت كدجاجة أضاعت فراخها أبحث عن أوّل فرصة أتلصص فيها على شاشته ...
دخوله للحمام عند إستيقاظه كانت فرصتي التي لن أفوتها .... دقائق وتأكدت من وجوده على شبكة الفيس ... الإسم والصورة وعدت لمكمني بغرفتي ... لن أكرر خطأ حسين
ليلة طويلة أتابع فيها ما هو متاح على حسابه .... صور مستعارة لا أصدقاء ... لا إعجابات ... شيء طبيعي لشاب يتعمّد أن يكون نكرة ...
بدأت أفكّر في طريقة أستدرجه بها دون أن يخامره الشك أني أمه ... كنت أتابع منشورات إحدى المجموعات المخصصة للسيدات تعودت نشر الصور المضحكة ... تقوم بإستبيان رأي ...
السؤال موجه للنساء ... " مالذي يعجبك في الرّجل " ... بدأت أطالع التعليقات تباعا .... هذه تقول روحه ... والأخرى عقله ... وتلك أخلاقه ... سحبني تعليق طريف لحساب يضع صورة حبة يقطين حمراء كبيرة ... " بلاش نفاق هو زبه وخلاص " ...
كدت أسقط على الأرض ضحكا ... التعليقات تحوّلت كلها للرد عليها ... الطريف في الأمر أنها إستبسلت في الدفاع عن وجهة نظرها .... صرت أنتظر ردها على الهجمات بفارغ الصبر ...
ألجمت الجميع برد ساحق ... " الراجل لما يحب يختار وحدة لازم تعجبه مؤخرتها وصدرها وشفايفها وكسها وفخاذها ووشها ... وإنت يا حلت أمك بيعجبك أخلاقه ... إبقي حطي أخلاقه بين رجليك ونامي عليها ... مجتمع منافق "
كلمات سيدة اليقطين هدمت كل أسوار ممانعتي ... صورة زب حسين عادت ترقص بين عيني ثانية ... نسيت أمر خطتي مع أمير ... كلمة واحدة تتردد في عقلي ... زبه
صداها يهز كياني ... نعم الراجل لازم يمتع المرأة كما تفعل هي ... والمتعة لاتكون إلا به ... زبه ...
حاولت إستدراك أمري خوفا من فشل آخر... ملجئي الوحيد هو أمير ... إن كانت الصدفة أنقذتني سابقا فيمكن أن تحطمني مستقبلا ... دون تردد أرسلت له طلب إضافة ... لم يطل ترقبي ... دون مقدمات قبلني كصديقة مفترضة ...
أصابعي ترتعش وأنا أكتب أوّل حرف في قصّة محاولة تحسين سلوكه ... لم أعرف كيف أبدأ إستذكرت هيثم ... نفس التمشي قد ينفع ...
- شكرا
- ... على إيه ؟؟
- على قبول الصداقة ؟؟
- ... الموضوع مش مستاهل ؟؟
- لكن تستحق الشكر ... أقلها إنك شرفتني بقبول صداقتي
- بس معرفتي ما بتشرفش حد
- (آلامتني نظرته لنفسه) ليه بس ؟؟ طيب عرفني بنفسك ممكن تكون غلطان
- لا أنا عارف نفسي ...
- طيب أنا بثينة ...
- تشرفنا ... أنا أمير
- أمير ؟؟؟ إسمك حلو وكله شرف ... في لقب يشرّف أكثر من الأمير ؟؟؟
- يعني أحيانا الإسم مش بيوافق طباع صاحبه ؟؟
- مش فاهمة
- يعني إسمي أمير وعايش عيشة الكلاب ؟؟
- ليه بتقول كده ؟؟؟
لم أعلم ماهو السر في العالم الإفتراضي ... أمير فتح قلبه وهو يحكي لي قصة حياته بالتفصيل ... نعم حقيقة هو إبني لكني لم أكن أدرك جوانب كثيرة في حياته ... راح يشتكي من طفولته وقسوة والده وبخله ...
الصورة التي فرضها على شكله وهندامه ... يعيش خارج عصره ... ما جعله محط سخرية أترابه ... رأيه لا يسمع ... لم يتمتع يوما ... لم يزر ملاهي ... لم يعب في الشارع مثل أترابه ... أوامر وتنفيذ تلك هي حياته ...
دموعه كان تصلني لتشوي فؤادي ... نعم زوجي على حق أنا السبب ... المريح في الأمر أن كل شكواه كانت من أبيه ...
- طب ومامتك فين ؟؟؟ موجودة ؟؟؟
- هي موجودة ومش موجودة ؟؟؟
- مش فاهمة ؟؟؟ أبوك وأمك مطلقين ؟؟؟
- ماما دي عبارة عن آلة ... تحضّر الأكل تنظف البيت وبتعمل أي حاجة تريح بابا
إنتفظت من مجلسي لكلماته ... كنت أهم بخرق الحائط الذي يفصلنا وأحضنه متأسفة ثم أصفعه على وصفه الفض لي ... لكنه كان على حق ... حيادي وطاعتي كانتا سببا للقطيعة بيني وبينه ... المهم في الأمر أني عرفت السبب ... وإذا عرفت العلّة سهل علاجها ... غيابي طال عليه ...
- إنت رحتي فين ؟؟؟
- لا أبدا بس زوجي صحي
- زوجك ؟؟؟ إنت متزوجة ؟؟؟
- أيوة وعندي 3 أولاد ؟؟
- نعم ؟؟؟ وبتعملي إيه هنا ؟؟؟
- هنا فين ؟؟؟
- عالفيس
- أهو بتسلّى ؟؟؟
- يعني بتتسلي بيا ؟؟؟
- مش زي ما إنت فهمت ؟؟؟ بس بأشغل نفسي أصلي جديدة على الفيس
- طيب إنتي بعثتيلي ليه ولقيتيني فين ؟؟
- الحقيقة ماكنتش إنت المقصود ؟؟
- أمال ؟؟
- أمير ثاني ؟؟ بحثت عنه طلعلي كذا إسم ... جرّبت معاهم ماحدش قبلني غيرك
- طيب ولما حتلاقيه حتنسيني ؟؟؟
- لا أبدا ... بس إياك ألاقيه ؟؟؟
- هو حكايته إيه ؟؟؟
- حأحكيهالك بس مش دلوقتي خلينا فيك إنت ؟؟ قطعت قلبي ؟؟؟
- سيبك مني أنا ماليش حلّ ؟؟
- هو إنت في سنة كام ؟؟
- المفروض بكالوريا (ثانوية عامة) بس مش حأكمّل ؟؟؟
- ليه بس ؟؟؟ إنت قرّبت على آخر الطريق ... كمّل وروح الجامعة وهناك حياتك حتتغيّر ؟؟؟
- أروح الجامعة .؟؟؟ عشان التريقة تبقى على وذنها ؟؟؟
- ليه بس ؟؟؟؟
أصرّ على موقفه وسط حزني الشديد ... لم أرد الضغط عليه خشية هروبه من الحديث معي ... رحت أقص عليه قصّة حبيبي أمير ... تعرّفت عليه في دراستي بالجامعة ... تعمّدت وصف الحياة الجامعية بأمور خيالية علّها تدفعه لتغيير رأيه ...
إستعملت معه أسلوب ألف ليلة وليلة ... لم أكمل له القصّة حتى أدفعه للحديث معي ثانية ... ودعته على عجل كأن زوجي أفاق من النوم ...
لم أنم ليلتها ... مزيج من السعادة والإثارة والسعادة والندم القاتل ... سأغيّر كل شيء ... سأجعله يتقبلني سأعوضه كل ما حرمته منه سابقا ...
مع بداية النهار ... حدث ما كان متوقعا ... الصراخ ملأ أرجاء البيت ... زوجي الذي لن يقبل طويلا بتمرّد إبنه وإنقلابه على سلطته ... دخل غرفة أمير ينهره للذهاب عنوة للمدرسة ...
مع رفض هذا الأخير ... بدأت المعركة ... هي ليست بالمعركة ... زوجي يوجه الضربات وأمير يحمي نفسه ... ثم يهاجمه بالكلام ... لم أستطع الحياد ...
دخلت الغرفة وأمسكت بيد زوجي بعنف ... صوت واثق يخرج من حلقي ...
" مش نبهتك لو رفعت إيدك عليه ثاني أقطعاها لك "
كنت أرى عينيه تتسعان في غضب شديد ... بدأت عيناه تختفيان خلف أصابع كف يده التي غرسها في وجهي ... قوة عضلاته التي دفعني بها أوقتني أرضا ليرتطم رأسي بالحائط ... طنين شديد وأنوار تدور حولي ... لقد مت ... هكذا تخيّلت ...
كنت أرى يده ترتفع عاليا تمسك الحزام العسكري الأخضر لتهوي على جسدي ... ضربة لو أصابتني لقسمتني نصفين .... تلقاها أمير بدلا عني ... رغم ألمي لكن موقفه أسعدني ... دفعه بعيدا عني ... وأراد نيل مراده ...
" جرّب إعملها وأنا أدخلك السجن ... حأكشف كلّ إلي عندي "
توقفت يده في الهواء ... رغم الموقف غالبني الضحك ... نفس صورة ذلك الممثل في الفيلم الديني وهو يقول " شلّت يدي " ....
تركنا وخرج من البيت يلعن اليوم الذي تعارفنا فيه ... حاول أمير مساعدتي بالوقوف ... لم يهتم هكذا بي قبلا ... أسعدني ذلك ...
توجهت بصعوبة للحمام أغسل دموع الألم وأتفقد إصابة رأسي ... ثم دخلت المطبخ ... كنت أقف وراء الموقد حين دخل أمير عليا ... نبرة صوته الحنونة لم تصل أذني قبلا ... لا بل صدري هو الذي سمعها ...
- إنت بخير ؟؟؟ (لم أستطع الرد من حنية صوته) ماما ؟؟؟ إنتي بخير ؟؟؟
- (إلتفت نحوه ... نظرة في عينيه مباشرة ) أنا بخير طول ما إنت جنبي
هرب من نظرتي ... سرعان ما عادت نبرته لعادتها ... تركني وخرج من البيت متجاهلا نداءاتي بالبقاء ... ذهابه أحزنني لكن بذرة الحنان التي بدأت تنمو داخله أسعدتني ؟؟؟ جلست على طاولة المطبخ ... لن أذهب للعمل اليوم ...
سحبت هاتفي وبدأت أسترجع كلامي معه ليلة أمس ... راجعت كل حرف علي أجد ما بذر الحنان فيه فأرويه وأبني عليه ... فجأة رنت إشارة إعلامي بوصول رسالة ...
- إنت هنا ؟؟؟
- لا هناك ؟؟؟ الناس تقول صباح الخير
- أها خير عليكي بس مش عليا ؟؟؟
- ليه حصل إيه ؟؟؟
- علقة حمار في مطلع عالصبح ؟؟؟
- يا حرام ؟؟؟ مين أبوك ؟؟؟
- أيوة الأشكيف ... كسّر ضلوعي ؟؟؟
- تستاهل ...
- ؟؟؟؟
- لا بهزر معاك إحكيلي عملت إيه ؟؟؟
- كان عاوزني أروح المدرسة بس أنا رفضت فزي كلّ مرّة ؟؟؟
- مش قلتلك تستاهل .... طيب وبعدين ؟؟؟
- ولا قبلين ؟؟؟ بس
- (أحسست بالمرارة لإنكار تدخلي لكني واصلت) وناوي تعمل إيه ؟؟؟
- حأستحمل لحد ما يزهق ...
- طب وبعد ما يزهق ؟؟؟ ناوي على إيه
- ولى حاجة ؟؟؟
- كده ؟؟؟ حتكمّل عمرك كده ؟؟؟
- قصدك إيه ؟؟؟
- فكّر في مستقبلك ؟؟؟ يعني أقل حاجة تبعد عنهم ؟؟؟ وتعيش حياة مستقلّة زي ما إنت عاوز ؟؟؟
- ما أنا بفكر في كده فعلا ؟؟؟
- (كنت ساخرج من الشاشة لأفهم ما يفكر به ) ناوي على إيه ؟؟
- أسافر ؟؟؟
- تسافر ؟؟؟ تروح فين ؟؟؟
- أوروبا ؟؟؟ أي بلد يعني
- كده وهي سهلة ؟؟؟ وحتروح تعمل إيه هناك ؟؟؟ تغسل صحون ؟؟؟ تنام في الشارع ؟؟؟ بطّل بلا عبط ؟؟؟
- إنت بتتكلمي زي ماما ؟؟؟
- (كاد يغمى عليا من كلامه خوفا) عشان بأتكلّم بالمنطق ... لو عاوز تسافر سافر وإنت رافع راسك وهما يفتحولك كل الأبواب مش تروح تنظف حمامات ؟؟؟
إنفعالي دفعني للإشتباك معه ... طبيعته المتمرّدة غلبت ... إنتهى حوارنا بشكل يوحي أن العلاقة الفتية إنتهت ... صداقة وهمية سرعان ما تشكّلت وسرعان ما إنتهت ...
نمت طوال المساء ... ألم في عظام جمجمتي يقض مضجعي كل حين ... صوت الجرس الخارجي أيقضني ... متثاقلة نحو الباب ... أمير الذي نسي مفاتيحه يقف خلفه ... فتحت له وكدت ألا أكلّمه ... ثم ذكرت أن بثينة هي الغاضبة منه لا أنا ... دخلت خلفه وهو يعرج ...
- هي رجلك واجعاك ؟؟؟
- (نبرة ممزوجة بالسخرية والعتاب) يعني إتعودّت عالضرب ... شوية وترجع لعادتها ...
- طيّب وريني ممكن محتاجة علاج ؟؟؟
- (مصدوم من إهتمام غير إعتيادي ... الضرب سيجعله رجلا هكذا أوهمني زوجي يوما) لا لا مش مشكلة ...
- لا لا وريني ممكن تكون مجروحة ...
أمام إصراري ... إستسلم ... لم أتوقع لكنه إستسلم ... كشف عن قدمه ... قصبة رجله المغطات بشعر أسود ... لم أرى أثرا للجرح لكني لاحظت ضعف شديدا عليه ... غلبني الدمع أي إهمال أهملتك إياه يابني ... أم لا تتابع حتى نمو ولدها ... كدت أخنق نفسي ...
تركني ودخل غرفته ... طبخت كل الموجود في الثلاجة اللحم والنقانق والخضر والجبنة ... وضعتها على طبق وطرقت باب غرفته ... قبل الإذن بالدخول فتحته ... رأيته يخفي شيئا خلف الوسادة ... طبعا هاتفه ...
أصررت عليه أن ينهي طبقه كلّه ... فزّاعة على شكل رجل ... هيكل عظمي يرتدي ثيابا ... خطأ يتطلّب علاجه عناية فائقة ...
شعره الأسود الكثيف تأثر من كثرة القصّ ... وجهه الأبيض تكاد عظام الوجنتين تخرق جلد خدوده ... صدر هزيل ... قدمان نحيلتان ... من أين سأبدأ ...
تركته يتمتع بوجبته ودخلت غرفتي ... أمسكت هاتفي وفتحته ... ثلاثة رسائل تزيّن الشاشة ...
- ألو ؟؟؟ إنت هنا ؟؟؟ زعلانة ؟؟؟
فكّرت ألا أرد لكني خوفي أن أفقد وسيلة الإتصال الوحيدة به دفعتني للتراجع ... قررت المواصلة في لعبتي ...
- طبعا زعلانة ؟؟؟
- ... ليه بس ؟؟؟
- يعني أنا متعقدة من الفشلة ... ومن بختي لما ألاقي حد أتكلّم معاه يطلعلي فاشل ؟؟؟ هما كلّ إلي إسمهم أمير كده فاشلين ؟؟؟
- (سمعته صوته يضحك حتى كاد يختنق بلقمة يلوكها ) كنت حتموتيني مالضحك ؟؟؟
- داه موضوع يضحك ؟؟؟ ... بتتأخر في الرد ليه ... إنت بتعمل إيه ؟؟؟
- أتعشى ؟؟؟
- ألف هنا ؟؟؟ طيب كمّل إتعشى وخش غرفتك وكلمني
- ماهو أنا في سريري ؟؟؟
- بتاكل في السرير ؟؟؟ ياعيني عالدلع ؟؟؟ شفت كشفت نفسك إزاي ؟؟ يعني كنت بتكذب عليا
- تصدقي ... دي أوّل مرة ماما تعملها ؟؟؟ أصلا دي كانت إحدى المحرّمات عندها ...
- فاكرني حأصدقك ؟؟؟
- أحلفلك ؟؟؟ ... طيب مش حتكمليلي حكايتك مع أمير في الجامعة ؟؟؟
- لا
- عشان خاطري ؟؟؟
- طيب لو أنا قلتلك تعمل حاجة عشان خاطري تعملها ؟؟؟
- أكيد ؟؟؟
- تروح المدرسة بكرة الصبح ؟؟؟
- رجعنا ؟؟؟
- شفت إزاي ماليش خاطر عندك ؟؟؟
- ... طيب إحكي وأنا حأفكّر ؟؟؟
رحت أروي له قصّة وهمية عن حب جارف ... وكيف أن أمير قرر مقاطعة مدرجات الجامعة والبحث عن عمل ... ثم فشل فقرر الهجرة ووعدها بالأموال والبيت الدافئ والزواج ثم إنقطعت أخباره ...
قصة خيالية عبيطة شدت إنتباهه حتى تجاوز الليل نصفه ... وكالعادة إنسحبت شهرزاد القصة ... متعللة بالنعاس ...
- طيب قوليلي عرفتي زوجك فين وإزاي ؟؟؟ وعاوزة إيه من أميرك داه دلوقتي ؟؟؟
- ماشي ... نعمل إتفاق ؟؟؟
- نعمل ؟؟؟
- تبعثلي صورة سلفي بكرة الساعة ثمانية ونص من وسط الفصل وإلا مش حأكلّمك ثاني
وأغلقت الهاتف دون إنتظار رده ... بت أدعي أن يستجيب ... صراحة كانت محاولة يائسة ... سكون البيت سمعت منه صوت مكبس النور يغلق وصوت أنين خشب سريره وهو يتقلّب مجاهدا النوم ... ثم سكن المكان ...
صوت طنين عجيب يصلني من بيت أمير ... رفرف قلبي بين ضلوعي من الفرحة ... لقد ضبط منبهه ... الساعة السادسة والنصف ... صوت المياه تنهمر من الحمام ...
أخيرا طرد الكسل ... سمعته يفتح درج خزانته ... يختار ملابس مما إشتريت له ... النور يغمر قلبي ... وضع قدمه على بداية سكة حسن السلوك ...
السابعة والربع صباحا ... أغلق الباب ... وغادر ... رحت أرقص فرحا بنجاح خطتي ... أقفز على السرير كطفلة سعيدة بحذاء العيد ... وفجأة طفت الغيرة على سعادتي ...
بثينة الغريبة نجحت في يومين فيما عجزت عنه ... أنا أمه ؟؟؟
بنشاط وحماسة شديدة توجهت للعمل ... لم أركّز مع التلاميذ ... رحت أعد الدقائق التي صارت تزحف ... الثامنة وسبع وعشرون ... ثمانية وعشرون ... تسعة وعشرون ... فقط الثلاثون مرّت بسرعة ... تلتها البقية ...
التاسعة إلا ربع ... تملكني اليأس ... أمير لم يرسل شيئا ... ظلام أحاط بي ... دق جرس الفسحة ... لم أترك مقعدي ... ركبي لم تحملني من الخيبة ... إشارة تعلمني بوصول رسالة ...
أمير يجلس بين مقاعد الفصل مع إعتذار عن التأخير بسبب عدم القدرة على التصوير أثناء الدرس ... طار قلبي بين ضلوعي فرحا ... المهم أنه عاد لمزاولة دروسه ... بداية مشجعة ... الحصص المتبقية قضيتها فوق السحاب ...
سعادتي حطّمت مع تقدّم ناظر المدرسة يسأل عن حال أمير ... هل تحسنت صحته ؟؟؟ لم أستوعب ما حدث ... لو إلتحق بالدروس لمرّ بمكتب الناظر لتصريح الدخول ؟؟؟ تلعثمت كثيرا في الإجابة ...
أمير خدع بثينة ... تسلل للقسم وقت الفسحة .... أخذ الصورة وإنسحب للشارع ... فكرة خبيثة ...
ضغط دمي إرتفع من أفعاله ... مساءا بدأ يراسل بثينة بإصرار شديد ... لم أجد بدا من الإستجابة له ... لو أعلمته بإكتشاف كذبه شيكشف حقيقتي ... أو أقل تقدير سيتأكد من كذبي حول شخصيتي ...
اضطررت للتعامل مع أسألته عن حياة بثينة على مضض ... فقدت تلك الرسائل روحها ... العجيب في الأمر أنه أحس ببرودي ...
عاد أمير لطبيعته ... ينام فجرا ويستيقظ عصرا ... يخرج ثم يسهر مع بثينة ... ضجرت من مجاراته ... أسأله عن أحوال الدراسة فيكذب عليا أنه يجتهد ...
سقطت خطتي في الماء ... إحساسي بالفشل دفع تلك الرغبة المتقدة لتطفو مجددا على سطح مشاعري ... لن أهتم بأحد بعد الآن ... سأرفع علمي فوق جمهورية نفسي ... حرّة في تصرفاتي وجسدي لا أحد يملك الحق في محاسبتي ...
شيئا فشيئا صرت أهمل الحديث مع أمير ... صار يكره زوج بثينة التي يحرمه من متعة الحديث معها رغم براءته ... صددت كل محاولة منه للتقرّب بكلمات صادمة .... هزاله وشكله لا تعجبني .... حطّمت روحه إنتقاما من خديعته وفشلي ...
تحوّل تفكيري كلّه للمتعة ...
ذلك العالم الإفتراضي يسمح لك بالقيام بكل شيء ... قبلت بعض دعوات الشباب للصداقة ... هدفهم واحد ووحيد ... الجنس ...
إتفاق غريب بين الجميع على نفس الهدف ... بدأت أكون بعض العلاقات الإفتراضية ... أحدث هذا وأقبل مداعبة ذلك وأتغزّل بالآخر ... إشتركت في كلّ الصفحات ... صرت أتابع الأخبار والإعلانات ...
كمراهقة عديمة الخبرة صرت أقلّب صور الشباب ... أمضي ساعات طويلة أقلّب الحسابات على أضفر بصيد ... تتوفر فيه شروطي ...
شاب مهذّب ... وسيم في بداية العشرين ... وضعت الوصول إليه نصب عيني ... يسكن في مدينة تبعد عن مدينتنا حوالي الساعة ...
توطدت علاقتنا ... رغم عدم إعلانه رغبته بي لكنه يلمّح دائما ... كان يصرّ أن نتقابل ... وضعنا كل الإحتمالات خصوصا مع ظروفي العائلية وظروفه المادية ...
فكرت في إستئجار شقة بتلك المدينة ... تكون عش غرام ممنوع ... أذهب إليه صباحا وأعود مساء وفق مواقيت العمل ... لن يدرك أحد ذلك ولن يشك بي أحد ...
كلّفته بالبحث عن شقة في حي راقي لا شبهات فيه ... خنقت بخلي وحرصي ... رغبتي صارت تقود كل تصرفاتي ... سريعة الوقوع في الحب كنحلة تجذبها كل الزهور اليانعة ... إعتقدت أني وقعت في حبه ...
أعلمني بعد أيّام أنه وجد بغيتنا ... كان يتوق لرؤيتي غير مصدّق حضه السعيد الذي أوقعه بي ... تواعدنا وسط الأسبوع القادم .... للقاء تعارف وإتمام كل شيء ... حتى أني أرسلت له حوالة ببعض المال ...
وددت لو أطوي أوراق اليومية للوصول للموعد المنتظر ... بدأت أختار ملابسي ... أخذت موعدا في مركز التجميل كعروس تتأهب لدخلتها ... عريسي الشاب ينتظرني ...
مع كل هذا لم أقطع علاقة بثينة بأمير ... لعض الكلمات ثم أنسحب لأتركه يتجرّع ثمن خدعته ...
كما أني لم أستجب لطلبات الشباب في جنس الهاتف أو الفيديو ... لم يثرني الموضوع ... أحسست أن لا فرق بينه وبين تفريغ رغبتي بنفسي ... أمر عبثي لا يملأ فراغاتي
بعد التوجه لمركز التجميل دخلت مقهى ... لتناول الإفطار ... أدلل نفسي التي بدأت تتحرر من قيودها ... بدأت أعبث بهاتفي ... خبر تداولته كل الصفحات تقريبا ...
" القبض على سيدة وشاب في شقة مفروشة " خبر كثيرا ما نسمعه في مجتمعنا ... العنوان الأبرز والمثير للإهتمام هو " سيدة تدفع ثلاثة آلاف دينار شهريا لشاب مقابل علاقة محرّمة " ...
أحسست بوخز في صدري ... فتحت كل روابط تفاصيل الخبر ... قرأتها كلها ... سيدة أعمال متزوجة تخصص شقة لشاب تعاشره مع مبلغ شهري يبلغ ثلاثة آلاف دينار ... أجرة موظف سامي مقابل الجنس ؟؟؟ ...
المفروض والمتعارف عليه دائما هو أن الرجال تدفع مقابل الجنس ... غرابة الخبر وقيمة المبلغ جعلته ينتشر كالنار في الهشيم بين الصفحات ...
إسهال شديد أصابني للخبر ... جلست أطالع بعض التعاليق حوله ... مع مرور الوقت بدأت التعاليق تزداد ... إنقسمت بين اللعنات على تصرفات السيدة الماجنة والسخرية من قدرات هذا الشاب التي تستحق هذا المبلغ ...
تهت بين الكلمات ... لا أعلم لماذا تعاطفت معها ولماذا أرعبني الخبر ... تخيلت نفسي مكانها ... فضيحة خسرت معها كل شيء ... سمعتها بيتها ... مازاد الطين بلّة أنها علاوة كونها متزوجة فهي أم لولد وبنت ...
القلّة ممن تعاطف معها ... لامها فقط على سمعة ولديها ... سيحملان جريمة لم يرتكباها طوال عمرهما ... لقب أبناء القحبة سيرافقهما مدى الحياة ...
كنت كأني أنا من تتلقى سهام نقدهم لتصرّفاتها ... إتصلت بعشيقي المفترض أجّلت موعدنا دون سبب ... دخلت بيتي أستحم للتخلّص من رواسب عار لصقني ... عار كانت نفسي تتوق له ...
طوال المساء كنت أتجنب ملامسة الهاتف كأنه إثم يجب عليا إجتنابه... سجنت نفسي بغرفتي .... خيالي طاف بي في المستقبل ... لو كنت مكانها ماذا سيحدث لي ... ستة أشهر من السجن من أجل الزنى ... أفقد بعدها وظيفتي ... زوجي سيجد سبب للطلاق ويكون هو الضحية لا الجلاد ... أمير ؟؟؟؟ لا يمكنني تخيّل مصيره ... هو أصلا حاضره أسود هكذا ...
طال جلدي لنفسي ... تكسّرت كل أمواج الرغبة على صخور الخوف ... سحبت الهاتف أغلقت كل منفذ يمكن ن يتسللّ منه عشيقي .... أبحث عن جديد حول الموضوع ... رحت أطالع التعليقات ... تواصل رجم تلك المسكينة الداعرة ...
وسط كم السباب والشتم واللعن ... سيدة اليقطين تتدخّل بشجاعتها المعهودة ...
" كفايكم نفاق ... ماحدش له حق يحاسبها ... حطو نفسكم مكانها "
لم أكن بحاجة لوضع نفسي مكانها ... أنا أصلا في مكانها ... لم أشعر كيف وضعت إعجابا على أحد تعاليقها المدافعة أو الملتمسة العذر لمجرمة هذا اليوم ...
عادتي هي التلصص في صمت ... كنت أتابع دفاعها المستميت عن صاحبة هذا الحدث ... ألف عذر وضعتها لتبرير تصرفها ... الألف كلها تنطبق عليا ...
كان كلامها كمرهم يرطب إلتهاب ضميري ... كل ما أعجبني كلامها وضعت إعجابا عليه ... ربما كثرة إعجاباتي سحبتها ... طلبت إضافتي فوافت دون تردد ...
رسالة تصلني منها تستفسر عن رأي في ما حصل ... كنت أقارب فكرتها دون خجل ... قالت أنها ملّت مناقشة المنافقين ... ستجد راحتها في الحديث بعيدا عنهم ....
حساباتنا الوهمية تمنحنا الحق في التعبير عما في صدورنا دون خوف ... طال حوارنا حتى إستنزفنا الحروف ...
تجاوب كبير بيني وبينها ... تعارفنا ... لا أعلم ما الذي منعني من الكذب هذه المرّة ... إحتفظت فقط بالإسم والعنوان المزيفين حرصا ... رويت عليها كل تفاصيل حياتي بصدق دقيق ... كنت أشعر أني مستلقية على سرير طبيب نفسي ...
خبرتها وتفهمها شجعاني .. أعتقد أنها كذلك صدقتني في تعريفها بنفسها ... أكبر مني بخمس سنوات ... زوجها طيّار ... متأكدة أنه يخونها لكنها لا تملك دليلا ... قالت أن إسمها إيناس .... أكبر بناتها تدرس بالخارج ووسطاهما في مثل سن أمير والصغرى في الثالثة ثانوي ...
صرنا صديقتين مقربتين لأقصى درجة بسرعة عجيبة ... يومان فقط وصرت أدمن محادثتها سواء عن طريق الهاتف أو عبر الفيس ... متنفس رحمتني به الظروف ...
تقاسمنا الأسف والندم والحسرة ... ربما تشابه وضعيتنا جعلنا مقربتين ... حدثتها عن موضوع الحديقة والشباك ... عن الرغبة المتقدة التي ألهبها عضو حسين بين فخذي ...
كلامها الماجن لا حدود له ... تصف الأشياء بمسمياتها دون حرج ... تواجدها في حياتي منحني بعض التوازن ...
عاتبتني على تسرعي في الإرتباط بغريب ... وضعت أمامي إحتمالات خطرة يمكن ان تنجر عن تلك العالقة ... عشيقة في مدينة غريبة مع غريب وجدته على الفيس .... تعتبر فضيحة سيدة الأعمال أمامها لا شيء ...
نصحتني بقطع العالقة معه خشية الإستغلال و الفضيحة ... أحسست بالخجل من حمقي ... كلامها يشابه في منطقه بما حدثتني به عائشة ذات يوم ... الفرق الوحيد أني أنكرت كلام عائشة ساعتها ثم سعيت لتنفيذه ....
عائشة التي شبهت حديثها بوسوسة الشيطان يوما .... إيناس شيطان متمرس أكثر حذرا ... أحسست أنها تخفي شيئا لم يحن الوقت بعد لإطلاعي عليه ...
رغم التوازن الذي خلقه وجودها في حياتي وإحساسي بروح أختي ترفرف بأجنحتها حولي مع كل كلمة أسمعها منها ... إلا أني لست مرتاحة ...
فلا أنا أطلقت لنفسي العنان للمتعة والحصول على ما أريد ... ولا أنا دفنت رغبتي للأبد ...
كأسلحة الجيوش العربية ملقمة تنتظر الضغط على الزناد مع قدوم العدو رغم أنها تعرف مكانه .... هكذا كنت ...
البيت الذي إكتسب شيئا من الهدوء لم يفقد كآبته ... وجود زوجي الذي بدأ يصبح نادرا شيئا فشيئا يخنق حريتي و أمير الذي تعنت في عناده أغلقت درج التفكير فيه ... إلى حين ...
غيابه عن المدرسة تواصل لشهر ونصف ... الإمتحانات الجزئية إقترب موعدها ... رفعت رايات الإستسلام أمامه ... حديث بثينة بقي قليلا معه ... لم أقطع علاقتي به ولم أتقدم بها كثيرا ... هو كذلك رغم التجرح لم ينسحب ....
كنت أشعر بإنزعاجه لعدم مبالاتها به ... سمعت تذمره منها عبر الحائط الفاصل بين حجرتينا ... إستغرابي من الهدوء لم يدم طويلا ....
صبيحة يوم أحد ... كنت أتحدث مع إيناس على الهاتف ... حديث نساء عادي ... عن المطبخ والموضة ... فجأة سمعت جلبة أحدثها دخول زوجي لغرفة أمير ... نقاش هادئ على غير العادة ... أذني تتلصص متأهبة للحرب ... إقتراح ممزوج بالوعيد ....
إدارة المعهد إتصلت بزوجي للتنبيه بالفصل النهائي لأمير إن لم يلتحق قبل موعد الإمتحانات ... النتيجة ... معادلة صعبة ... ثلاث إقتراحات لا بديل عنها ... إما العودة للدروس .... أو الإلتحاق بالجيش عبر نفوذ والده ... أو الطرد من المنزل ...
رغم إقتناعي بأن أمير لن يقبل أي منهم ... لكني سعدت أن والده تحدث إليه كرجل لرجل ... عليه تحمّل مسؤوليته ...
الصوت العالي بينهما أحيانا يصل للمطبخ ليقطع عنا المكالمة التي لم أكن أركز معها .... فقط لم أقطع الخط لإيهام كليهما أن أمرهما لم يعد يعنيني ... إن صح ذلك مع زوجي فأنا أغالط نفسي فيما يخص أمير ...
إنتهت حلقة النقاش بخروج كليهما من المنزل ... تخبط أفكاري جعلني لا أتابع حديث إيناس بإهتمام ... أحسست أنها يمكنها مساعدتي ... خصوصا وأنها تلح عليا لمعرفة ما جرى ...
بدأت أقص عليها بالتفاصيل حكاية أمير منذ ولادته حتى موضوع الفيسبوك ... وكيف أن الموضوع نجح مع هيثم في حين فشل مع أمير ...
- حاسة إني هطق ... كل ما أشوف هيثم إلي ذكاءه وقدراته ما تجيش نص إلي عند أمير يتحوّل ... بحس بالمرارة
- طبعا النتيجة كانت حتختلف بين الإثنين ...
- إزاي وليه ؟؟؟
- حسب كلامك لوكان صحيح ؟؟؟ سرّ التحوّل لهيثم هو الهدف ؟؟ إنتي خليتيه يتحوّل للوصول أنو ينيك مدرسته إلي هي إنت لما كنتي فاكراه حسين صح ؟؟؟
- صح
- ... والجنس هدف ممكن الإنسان يعلن الحرب على العالم بسببه وأكبر دليل هو إنت ؟؟؟
- أنا ؟؟؟
- مش فاكرة كنتي حتعملي إيه عشان المتعة ؟؟؟ داه و إنت ست ومجرّبة كنت بتوضبي خطة لتلميذك وبعدين واحد غريب بينك وبين مسافات ؟؟؟؟ فما بالك بمراهق مبتدإ بيحلم يكتشف العالم داه كل دقيقة
- كلامك معقول ؟؟ بس أنا مش مدياله ريق حلو
- أكيد هو حس بإهتمام أصحابه زي ما قلتي وأكيد فيهم بنات وأكيد غيّر هدفه منك لوحدة زميلته أو مدرسة ثانية أو أي وحدة
- ممكن كلامك صح
- بالنسبة لأمير كلامك مختلف ... لأن الهدف أو المحرّك في الحكاية مختلف ... هو تجاوب معاك لمجرّد إنه عجبته حكايتك و سعيد بأنه بيكلّم وحدة ست حتى لو ما يعرفهاش ؟؟ وداه مش محرّك كافي إنه يتقدّم في إلي إنتي عاوزاه ؟؟
- و الحل ؟؟؟
- تستعملي نفس المحرّك معاه ؟؟؟
- قصدك إيه ؟؟؟
- تحببيه في الدنيا والنجاح عن طريق السكس زي ما عملتي مع هيثم ... وإنت مش حتغلبي خصوصا وإنه شخصية بثينة مؤثرة فيه على ما فهمت ...
- مش متأكده
- إلي خلّته يدخل المدرسة خلسة عشان يتصوّر لو زودتي عليها الرغبة في الجنس أعتقد إنه كل ملاكاته حتتحرّك ...
- تفتكري
- إنتي خسرانة إيه ؟؟؟ جرّبي
فكرتها أعجبتني لكنها ممزوجة بمرارة حرج كبير ... مجرّد التفكير في كوني سأتحدّث مع إبني في موضوع محرّم كالجنس يثقل على صدري ... من الناحية المقابلة نجاح المحاولة مع هيثم تدفعني للتقدّم في خطة إيناس ...
مع التهديد الأخير من زوجي يمكن إستغلال الموقف ... فأمير لا يحتمل زوجي في صورة الأب فكيف سيتحمّله في شكل آمر له ... وتركه للبيت مع خوفه وقلّة حيلته سيكون أمرا صعبا عليه ...
إنتظرت عودته في الليل ... أحسست أن الأمر يثقل عليه ... أعتقد أنه سيلين هذه المرّة ... العالمة الخضراء تشير أنه متّصل ...
- إزيك عامل إيه ؟؟؟
- غريبة ؟؟
- إيه هي إلي غريبة ؟؟؟
- مش عوايدك يعني تتصلي ؟؟؟ بقالك مدة مصدرالي الطرشة
- أصلك وحشتني ؟؟؟
- وحشتك ؟؟؟ مش مصدّق ....
- ما تصدقّش أصلي زوجي مش هنا ... مسافر قلت أتسلى معاك شوية
- ولو إنه كلامك يجرح لكن أحسن من مافيش
- أخبارك إيه ؟؟؟
- عادي ؟؟؟
- عامل إيه في مدرستك ؟؟
- تمام ... ماشي الحال ؟؟
- بتذاكر للإمتحانات ؟؟؟
- شوية ... أصلي بعيد السنة فأغلبها عارفها مش مشكلة
- (ولو أن كذبه يغيظني لكن كلماته دفعت الأمل في إمكانية نجاحه) ما فيش جديد ؟؟؟
- جديد إزاي ؟؟؟ إنت أخبارك إيه ؟؟ مش بتحكيلي حاجة عنك ؟؟؟
- أسكت مش لقيت أميري ؟؟؟
- قولي كلام غير داه ؟؟ لقيتيه فين وحصل إيه إحكيلي ؟؟؟
- لقيته على الفيس ... بس ما كلمتوش ؟؟؟
- ليه ؟؟؟
- مش عارفة ... إتغيّر وكبر في السن ... شعره الناعم وقع ... بقى أصلع وخدوده جلّدت وعضلاته راحت . ..... بقى جلد على عظم ...
- زيي ؟؟؟
- هههه أيوه بالضبط
- شكرا ؟؟؟
- ما تزعلش إنت لسة شباب ممكن تتصلّح بس هو راحت عليه خلاص
- معلش ممكن أتصلّح إزاي ؟؟؟
- تهتم بنفسك ؟؟؟
- يعني إزاي ؟؟؟
- تاكل كويس تنام بدري تعمل رياضة
- وأشرب اللبن قبل مانام ...
- بتتريق ... خليك كده زي خيال المآتة
- كمان شكرا
- (رغم ألمي أن كلامي جرحه لكني تمادي) ماهو إنت بتتريق على كلامي ؟؟؟ داه شكلك وإنت في بداية شبابك لما تكبر حتبقى إزاي ؟؟؟
- إزاي ؟؟؟
- طيب تفتكر إني في وحدة ممكن تبصلّك بشكلك داه ...
- طبعا لا ... أصلا كلهم بيقرفو مني
- طيب كلامي صح ... البنات بتحب الشاب الروش ... العضلات ... القوة ... الشخصية الجذّابة ... وإنت من غير مؤاخذة ميح
- لو كملتي كده حأقفل ؟؟؟
- طب ما تقفل ؟؟؟ ماهو إنت مش حابب تتغيّر ... الحل بإيدك ممكن تخليهم يجرو وراك عشان رمش عين مش عشان كلمة ؟؟؟
- إزاي ؟؟؟
- تتغيّر وداه ممكن ... بس لازمله قلب راجل ... وإنت نايم طول اليوم ؟؟؟
- يعني أعمل إيه مثلا ؟؟؟
- أولا تعمل إشتراك في الجيم ... وتاكل كويس ... شوية بروتينات ... تلبس كويس ...
- وبعدين ؟؟؟
- إعمل دول الأوّل وبعدين ليها وقتها ... لما أشوف إنك وصلت للمرحلة الثانية حأقلّك
- إنت فاكرة الموضوع سهل ؟؟؟
- أه سهل ؟؟؟
- الكلام داه محتاج ثروة وكمان وقت طويل ؟؟؟
- بالنسبة للوقت إنت مين إلي بيجري وراك ؟؟؟ خذ وقتك ... بالنسبة للفلوس خذ من أهلك
- ههههه أهلي ... دول يروحو فيها لو طلبت منهم
- جرّب إنت بس ... أبوك أو أمّك مش حيرفضو لأن داه لمصلحتك
- مش حيوافقو أنا عارفهم
- طيب عندي فكرة
- هي إيه ؟؟
- هي مش الإمتحانات قرّبت ...
- أيوة بعد أسبوعين ؟؟؟
- لو جبت نتيجة كويسة ... روح أطلب منهم مكافأة وشوف
- طول عمري كنت متفوّق ومافيش غير الضرب والشتيمة ... لو طلعت الرابع ليه مش الثالث و لو الثالث مش طلعت الثاني .. متأكد إني لو طلعت الأوّل حيقلولي ليه ما طلعتش مدرّس ...
- هههههه يخرب بيتك للدرجة دي
- دي الحقيقة (كلامه حقيقي وزاد في ألمي)
- إنت مالك مقفلها كده ليه ؟؟؟
كنت متأكدة أنه لن يعترف لبثينة بعدم إلتحاقه بالمدرسة .... لكني كنت سعيدة لرؤية كل تلك الطيور يمكن أن تسقط بحجر واحد ... أصررت عليه أن يجتهد في إمتحاناته ... وإن رفض أهله سأرسل له أنا ثمن الإشتراك ....
الجنس هو أقوى وقود للإنسان ... أمير يستيقض مبكرا ... يستحم يغيّر ملابسه ... نظرة عينيه الخجولة وهو ينتظرني للذهاب معه للمعهد لتسوية موضوع غيابه ... سأركع أمام إيناس تعبيرا عن إمتناني لها ... رغم أن إنكسار أمير آلامني ....
كنت أتمنى عودته للمدرسة لكن بروح معنوية عالية .... إنكساره سببه الشرخ بين عناده السابق وخضوعه الحالي ...
زوجي الذي إعتقد أن تهديده أعطى أكله صار يرمقني بنظرة المنتصر كلما تصادفت عينانا ... " جاب الأسد من وذنه " ... إحتقار وسخرية تعلو محياي كل ما تذكرت شكله ...
نظام جديد فرضته بثينة على أمير ... نصف ساعة فقط تحدثه فيها تشد همته ... ثم تتركه ... كنت أرى نور غرفته يضيء لساعات متأخّرة وهو ينقل ما فاته من دروس ...
لعبت دور الأم الحنون ... دلال في الأكل ... سندويتشات وعصائر تدخل غرفته ... صرت أنفق على أكله ما لم أتخيّله قبلا ... بعض المسمنات والمدعمات الغذائية أدسها في أكله خلسة ...
رغم أنه بقي يتجاهلني في تمرّد منعته عزة نفسه عن التخلي عنه بسرعة ... لكنه صار منظما ... أقل شيء في مواعيده ...
وإن بقي على عادته في إحداث الفوضى أين تواجد لكني كنت سعيدة لما وصلت له ... إيناس تتابع معي التطورات هاتفيا أولا بأوّل ... وبثينة تمسك بخيوط تحرك أمير بها ...
الأمر ليس بالصعوبة ... كلما لاحظت إجتهاده تزيد بثينة في حرارة حوارتها معه ... بدأنا نتحدث عن العلاقات بين الشباب والبنات ... نفس الطريقة ... ألف ليلة وليلة أحمسه حتى أشعر أن النار تغلي في صدره شوقا لتعلّم المزيد ....
ثم أتركه ليفرغ تلك الشحنة في إجتهاده في دروسه ....
عادت جديدة إكتسبها ... ممارسة الجري كل مساء ... بعض الحركات الرياضية لتقوية العضلات ... يقابلها شحن بالأكل الدسم والمفيد مني ...
وصلت بثينة في الحديث معه ... حول القبل والعناق بين الجنسين ... لا أعلم من آثار ذلك الحديث أنا أو هو ...
بدأت أوّل زهوري تتفتح ... لقد تحصّل على درجات تعتبر جيّدة في الإمتحانات الجزئية ... كما توقعت كنت أنا التي ستدفع ثمن إجتهاد حثثته عليه دون علمه ....
كنت بغرفتي أضع بعض الخطوط العريضة للمرحلة القادمة ... حين سمعت طرقا خفيفا على الباب ... الخجل والتردد يبدوان من وقع قبضته على الخشب قبل وصول صوته المبحوح ... أمير يطلب الإذن بالدخول ... رأسه يسبق جسده المرتعش من التوتر ...
- خير يا حبيبي عاوز حاجة ؟؟؟
- (شجعته نبرتي الحنونة ودعوتي للجلوس على حافة السرير بجانبي) عاوزك في موضوع ؟؟
- خير ؟؟؟ حصل حاجة ؟؟؟
- كنت عاوز فلوس ؟؟؟
- كام ؟؟؟ وحتعمل إيه ؟؟؟ (حافظت على حرصي أن يكشف تساهلي معه)
- كنت عاوز أشترك في الجيم ؟؟؟
- تعمل رياضة وتقوية عضلات وكده ؟؟؟
- أيوة ؟؟؟ (كان خجلا من شكله حقا)
- بس داه ممكن يأثّر على دراستك ؟؟ وأنا ما صدّقت ؟؟؟
- لا أبدا ؟؟؟ بالعكس داه حيخلني أجتهد أكثر ووووو
- وعد ؟؟؟
- طبعا وعد ؟؟؟ وحتشوفي (طار قلبي لحماسه رغم إنكساره)
- وداه حيتكلّف كام ؟؟؟
- في مركز رخيص قريب من هنا ب 70 دينار الإشتراك و 50 دينار تأمين
- يعني 120 دينار ؟؟؟
وقفت أتمشى أمامه كأني أفكّر بالموضوع ... كان يراقبي خطواتي كمتهم في قاعة تحقيق ... تفاحة حلقه تتصاعد وتنزل بسرعة تعكس جفاف ريقه ... تعمدت تعذيبه ...
- 120 دينار ومركز رخيص ؟؟؟ طب والغالي بكام ؟؟؟
- مش عراف ؟؟؟ تقريبا 300 ... 350 حاجة كده ؟؟؟
- بس الرخيص خدماته مش حتكون قد كده
لم أترك له فرصة للرد ... سحبت مبلغا من بين طيّات ثيابي بالخزانة ... رحت أعد الورقات الوردية أمام عينيه اللتان قربت أن تخرج من محجريهما... 500 دينار وضعتها بين يديه وهو لا يصدّق ...
- بس داه كثير ؟؟؟ كثير ؟؟؟؟
- يعني إشترك في الجيم ... والباقي خليه عشانك ممكن تحتاج حاجة ... منشفة ... بارفان زيت للشعر ... أي حاجة إنت حاببها ...
- متش... (قطعت كلماته التي كانت تمتزج بدموع القهر أو الندم)
- الإشتراك داه عشان مصلحتك وأنا يهمني مصلحتك .... و الباقي دي هدية عشان إجتهادك ولو كملت كده عندك هدية بتحبها أكثر
إضطراب شديد يهزه ... كنت أعرف سببه ... رواسب الماضي وروح التمرّد التي تحوّلت لإنكسار مجبر عليه والكرم الغير متوقع مني ... ليس سهلا عليه تقبّله ....
قام من مجلسه يريد المغادرة ... حين ناديته فاتحة ذراعي ....
" ما فيش حضن لماما إلي بتحبك "
كلماتي وذراعي كانت كمغنطيس يسحبه نحوي ... إرتمي في حضني كسفينة حطمت الرياح أشرعتها وأخيرا إهتدت للبر بعد مصير الغرق اليقين ... دموعه بللت كتفي وصدري ... لم أمنع نفسي من البكاء ندما ... دموعي وصلت أعلى رأسه ...
لم أشعر بحنان كما شعرت به اليوم ... ربما الفرحة بوصولي لمرادي وبعودة إبني لصدري الذي حرمته منه قبلا ... كان ينحني ليدفن رأسه في صدري ... أردت تقبيل شعر رأسه حين رفع وجهه نحوي يريد الكلام ...
دون شعور وقعت قبلتي بأسفل خده ... نصف شفتي على خده ونصفها على شفتيه ... نار إلتهبت في صدري ... تجمّدت عروقي
حسن السلوك
-
{{#invoke:ChapterList|list}}