حسن السلوك: الجزء الثاني

من قصص عارف

دقائق طويلة مرّت في خواء ... جالسة على الأرض دون هدى ... كل ما في تجمّد ... لملمت رغبتي ونهضت يغمرني الخجل من نفسي ... ما هذا الذي فعلته بنفسي ؟؟؟ أو ماذا فعل بي ...

الدم يتفّق صعودا لعقلي ... بدأ رأسي بالغليان ... آلاء ؟؟؟ رمز الأدب والنجاح ؟؟؟ غير معقول؟؟؟؟

أغلقت باب غرفتي بالمفتاح لا أدري لماذا ؟؟؟ ربما خشيت أن يقتحم أحدهم تفكيري...

جلست على حافة السرير أمسك رأسي بكلتا يدي ... خوفا أن تفجّره فكرة مجنونة ... صورة والدتها وهي تعدد مناقبها وخصالها كلما تقابلنا في قاعة المدرسين لا تفارقني ...

ترى ماذا فعلت لتستحق تلك العقوبة من إبنتها ... ألف سؤال دون إجابة تهاطلت على تفكيري ... ماذا عساي أفعل ؟؟؟ هل أخبر والدتها ؟؟؟ هل أفضحها ؟؟؟

لماذا أحشر نفسي ؟؟ شأنها وإبنتها ؟؟؟ أحسست ببعض الراحة ... ربما إحساسي أني لست الوحيدة التي فشلت في تربية ذريتها ...

هذه الراحة تحوّلت لمحاضرة ذاتية عن مشكلة هذا الجيل ؟؟؟ جيل يفعل ما يريد ... يحطّم كل القيم ... كلّ القيود ...

رحت أقارن بين تصرّفات آلاء وأمير ... النتيجة واحدة ... لا القسوة نفعت ولا الدلال آتى أكله ... التظاهر بالأدب يغطي بقية الأفعال ... هي خبيثة وإلى حد الآن نجحت في ذلك

طال جلوسي مع نفسي ... وطال تحليلي للموقف ... حكة شديدة بدأت تزعجني بين فخذي ... لم أغير كيلوتي الذي غرق متعة بالتلصص على ما لا أقبله ...

يكفيني نفاقا ... لست في الموقف الذي يسمح لي بالتسلّط والحكم على تصرّفات الآخرين ... إجتنابا للإحراج ودفعا لخطر تواجدهما في حديقتي ثانية .... قررت تغير قفل الباب و تعلية السور بسياج شائك ...

فليذهبا لمكان آخر ... دخلت الحمام لأتخلّص من ذنب متعة خطفت غصبا من بين فخذي ... جسدي ينتفض رفضا كأنه يخلع إثما لم أرتكبه ...

جوع شديد أصابني ... دخلت المطبخ أعد شيئا آكله ... مرق اللحم يغلي على الموقد وعقلي يغلي معه ... فتحت الثلاجة أبحث عن بعض الخضار ... حبتا خيار خضراء تطلبان مني قطعهما لإعداد سلطة ...

وقفت أغسلهما ... أمسكت إحداهما بيدي ... قبضتي تحيط بنصفها ... دون شعور وضعت النصف الآخر بين شفتي ورحت أضغط لأدخلها في فمي ...

أغمضت عيني وإستحضرت صورة زب حسين داخل فم آلاء ...

تقريبا حجمه يوازي حجم الخيارة ... حرارة شديدة تلهب شفرات كسي الذي بدأ ينفتح مع ذكرى تلك الصورة ...

إهتزاز غطاء الآنية فوق الموقد أيقضني من بداية حلم اليقظة الوردي ... ما الذي أفعله وفي ماذا أفكّر ؟؟؟

رميت الخيارة بعيد عني وهربت من المطبخ للصالون ... صورة زب حسين تطاردني ...

أي صدفة ألقت بذلك المشهد في خيالي ... جلست في الصالون أمسك رأسي مانعة عقلي أن يستحضر تلك الصورة ثانية ... لم أعلم كم مرّ من الوقت حتى سمعت صوت باب الحمام يفتح ...

أمير أفاق من سباته أخيرا ... وجوده أعادني للواقع ... أنا بالغة وراشدة ومدرّسة .... سيّدة يحترمها المجتمع ... يجب عليا التركيز في هدفي ... إن كنت خسرت زوجي أو خسرني هو ... يتوجب عليا المحافظة على إبني ...

أعددت له قهوة وبعض السندويتشات ... خرج من الحمام مباشرة نحو غرفته ... خفق قلبي طويلا قبل أن أطرق باب غرفته ...

صوته المتذمّر من إزعاجي له أحبطني ... فتحت الباب ببطئ ... رأيته يقف أمام المرآة يتأمّل شكله ... نظرة عينه تعكس عدم رضاه ... لن أنسى ما حييت تلك النظرة ... طلبت منه أن يلحقني للمطبخ ...

جلست للطاولة أنتظره ... لم أفكّر كيف سأفتح الموضوع معه لكني تشجعت ... الحوار سيحل مشكلتنا ...

دقائق وسمعت وقع خطاه المثقلة ... أستطيع أن أجزم أنه سيتحضّر لقتال معي ... وقف عند الباب مستندا حافته ...

التمرّد صار يلازمه في كلّ شيء ... لم ينتظر حتى أبدأ بالكلام لينطق بلهجة يتقاطر الإنزعاج والقرف منها ...

- خير ؟؟؟

- لا أبدا تعالى إفطر ؟؟؟

- (نظر للطاولة كأنه يعاند رغبة بطنه) ماليش نفس ؟؟

- تعالى بس ... إفطر وبعدين أنا محضرة لك مفاجأة ...

- (لمعت عيناه لكلمة مفاجأة لكنه لم يتخلّى عن عناده) خير ؟؟؟

- لا أبدا عندي ليك هديّة

- متشكّر مش عاوز منكم حاجة ... سيبوني في حالي ؟؟؟

وإنصرف مسرعا من أمامي ... لم أستطع النطق بكلمة أمام عناده وتمرّده ... صوت غلق الباب بعنف يعكس صعوبة ترويضه ... عناده زاد عنادي ...

غيّرت ملابسي وخرجت أتجوّل وسط البلد .... إستوقفتني واجهة محلّ بيع ملابس للشباب ... قارنت بينها وبين ما يلبسه أمير ... أردت صفع نفسي ألف مرّة ...

إبني يلبس كأنه يعيش خارج الزمن ... لا يشبه أترابه ... لا حلاقته ولا ملابسه تتماشى مع سنه وعصره ... تلك كانت رغبة والده ... فليذهب والده للجحيم ...

دخلت المحلّ ... نظرة البائع تتبعني أينما جلت بين البضائع المعروضة ... تقدّم مني مبتسما ... شاب في منتصف العشرينيات ... وسيم بعض الشيء ... لكن جسده نحيل رغم طوله الفارع ....

- أي خدمة يا هانم ...

- ... مش عارفة ... عاوز اشتري كام طقم كده

- آسفين ... في محلّ لملابس السيدات بعدينا بكام متر

- ههه ... لا لا مش ليا أنا ... لإبني ...

- كمان آسف يا هانم ... فيه محلّ لملابس الأطفال في نفس الشارع

- هههه لا لا .... إبني عمرو 18 سنة

- يا لهوي ... إنت خلفتيه وعمرك 10 سنين ؟؟؟

- مجاملة مقبولة منّك ؟؟؟

- لا أبدا ؟؟؟ عجيبة هو حضرتك عنك كام سنة ؟؟

- 40 ؟؟؟

- قولي كلام غير داه ؟؟؟

- أحلفلك ؟؟ وإلا أوريك البطاقة ؟؟؟

- لا وريني البطاقة ؟؟؟

أعجبتني طريقته في الكلام ... ربما من لم تتعود المديح مثلي ستسحبها كلمات مجاملة من بائع يحترف الكلام ... وضعت حقيبتي فوق طاولة الملابس ورحت أبحث عن حافظة أوراقي ...

أخرجت هاتفي القديم ... ثم الجديد الذي لم أستعمله بعد ... وبحثت عن البطاقة ووضعتها بين يديه ... تملى البطاقة جيّدا ثم نظر لي متعجبّا ...

- معلش يا هانم بس البطاقة دي مزوّرة ههههه

- (لو كانت دعابته قبل أيام لسمع مالا يطيقه مني ... لكنها أسعدتني) هو إحنا وش كده

- (تأثّر من كلمتي وبدى على وجهه الحزن) بجد أنا أعتذر

- لا أبدا ما تاخذش في بالك ... قلي بقى عندك إيه ينفع لإبني ؟؟

- يعني ممكن أسأل من غير زعل ؟؟؟

- لا عادي إسأل ؟؟

- هو إبن حضرتك تعبان وإلا حاجة ؟؟؟

- لا أبدا ؟؟ بتسأل ليه ؟؟؟

- لان المفروض هو يشرفنا وهو يختار بنفسه ؟؟؟

- (شعرت بالذنب لما فعلته بإبني سابقا) لا أبدا أصلي حابة أعملها له مفاجئة

- إذا كان كده أك ؟؟ تعرفي مقاساته ؟؟

قدّم لي كرسيا أجلس عليه ... وراح يعرض أمامي الموديل تلو الآخر ... إستعملت ذاكرتي ومخيلتي مقارنة بين ما أراه في الشارع وشكل أمير ... بنطلونات جينز مقطعة من الركب ... كانت يوما إحدى المحرّمات في قاموسي ... تيشرتات عليه رسوم وأعلام ... أحذية رياضية وجلدية ... ملابس داخليّة وغيرها ....

كلفتني مبلغا كان يمكن أن يسبب لي الشلل سابقا ... كنت أهم بمغادرة المحل حين إقترح عليا الشاب البائع ...

- حضرتك ممكن تتابعي صفحتنا على الفيسبوك ... ديما حتلاقي الجديد عندنا ... يعني ممكن تعجبك حاجة ...

- أتابعها إزاي يعني ...

- يعني تعملي إعجاب وحيوصلّك كل جديد عندنا

- معلش ... إلي هو إزاي يعني ؟؟؟

- هو حضرتك مش عندك حساب على الفيس ؟؟؟

تدارك شعوري بالحرج بأن إستأذن مني أخذ هاتفي ... دقائق ويداه الخبيرتان تغيّران شريحة الهاتف ... ثم بدأ يرشدني كيف أقوم بالتسجيل والإيميل وكلمة السرّ ...

أخيرا إلتحقت بالعالم الإفتراضي ... رغم أن كل من أعرفهم يتحدثون عنه لكنه لم يستهويني أبدا ...

إسم مستعار وصورة مستعارة ... كان أوّل صديق لي هو ذلك البائع الذي أقسم أنه لن يعاكسني أو يزعجني ... التاكسي تلوي الطريق نحو البيت ... تركيزي منصب على تقليب شاشة هاتفي ...

قبل أيام كنت أسخر من الناس كيف تشدهم هذه الأشياء ... أعتقد اني بدأت أصبح إنسانة طبيعية .... أو ربما غير طبيعية لكن ككل الناس ... الإستثناء يعزلك عن العالم حتى لو كنت على صواب ...

كلّفتني تلك الجولة كل المساء ... كنت أصارع لفتح الباب ويداي مثقلتان بالأكياس ... صادفني زوجي العزيز في الممر ... لم أجب تساؤلات عينيه عن حملي ... لم أسلّم حتى عليه ... تجاهل وجوده أسعدني ...

دخلت غرفت أمير ... إجتهدت في تنظيفها ... ألقيت كل محتويات خزانته ... كنت يوما اسميها ملابس ... وضبت كل ما إشتريت له فيها ...

وضعت رسالة قصيرة على سريره ...

" أنا وضبتلك الأمور مع إدارة المعهد ... بكرة تلبس هدومك الجديدة وتروح الدرس ... شاب جديد وحياة جديدة ... بحبك جدا "

دخلت لغرفتي وتخلّصت من ملابسي ... أغلقت الباب خلفي ... كنت أتمنى لو يستجيب أمير ... هل سيرضخ أم هل سيعاند ...

عارية إلا من تفكيري ... مستلقية على الفراش ... أقلّب هاتفي ... أكتشف ميزاته ... بوابة عالم جديد فتحت أمامي ... ربما أكون آخر من إلتحق به ...

إكتشفت سهولة البحث عن الأشخاص والصفحات ... بدأت أكتب أسماء زميلاتي السابقات والحاليات ... فكّرت في إضافة بعضهن لكني تراجعت ... أريد لهذا العالم أن يكون ملجأ أهرب فيه من واقعي ...

لست الوحيدة التي تفعل ... الكل يكذب هنا ... سرق هذا العالم ساعات من ليلي ... أرغمت نفسي على النوم ... سأباشر العمل غدا ...

مع نسمات الصباح الأولى إستيقظت نشيطة مقبلة على الحياة ... إخترت طقما جديدا من خزانتي ... فستان أزرق من قطعة واحدة ... رقبته مفتوحة حتى مفرق صدري ... قماشه يلامس الركبتين بخجل ...

نطاق من الجلد الأسود العريض يغطي الترهل البسيط في بطني ... وحذاء أسود ذو كعب عالي ... حقيبة يد سوداء ... تأنّق لم أعهده ... رائحة عطري تسبقني ... تعمّدت إصدار ضجيج ...

كانت روحي تتوق لسماع صوت أمير يتحضّر للذهاب للمدرسة ... لكن صوتي جذب من لا أرغب في تعكير صفوي بوجوده ...

هربت خارج المنزل لسماع صوت زوجي يستيقظ ...

الساعة لم تتجاوز السابعة ... لم أتناول شيئا ... أين سأذهب ... ترددت طويلا قبل الدخول لأحد المقاهي ... لم أفعلها يوما في حياتي ... خجلا ورغبة في التوفير ... أحبطني رفض أمير لعرضي ... لكني كنت أتوقعه ...

إستقبلني نادل بوجه بشوش يقودني لطاولة في ركن منزو ... الجميع صار بشوشا معي ... صراحة إبتسامتهم في وجهي تروي تشققا خلقته الكآبة في صدري ...

جلست أتناول إفطاري بنهم شديد ... الأكل لذيذ والجو الجديد يشعرني بالحماسة ... كنت أرى العالم بعين مختلفة ... سعادة وليدة بدأت تنبت في وجداني ... لم أعلم سببها لكني كنت أشعر بها ...

مجرّد تذكري لمصير إبني يخز صدري ... كلّ مرّة أتجاهل ذلك الشعور لكنه يطفو على سطح تفكيري من جديد ... ما خلّفه دوري السلبي أمام قسوة والده لا يمكن معالجته ببعض الملابس الجديدة ....

الموضوع معقّد أكثر ... كباب المرآب ... ما يصدأ لسنين يحتاج جهدا أكثر لفتحه ... لن أستسلم ... سأواصل ...

أنهيت إفطاري وخرجت بعد أن أكرمت النادل البشوش ... شكلي الجديد شكّل صدمة لكل الزملاء ... الرقاب كلها توجهت نحوي وأن أخطو داخل قاعة المدرّسين ... حتى البواب لم يعرفني ... إعتقد أني إحدى وليّات الأمور ....

سعيدة بنظرات الإعجاب في عيون الذكور والغيرة في عيون الإناث ... أوزع الإبتسامات على الجميع ... وقع الكعب العالي يخرق ضجيج الفصول ...

الكل يتابعني متسائلا ... تقدّمت بخطى ملكيّة نحو فصلي ... رأسي مرفوع للأعلى وصدري يهتز مع خفقان قلبي للحياة ... خفقان قلبي تحوّل لنبض مضطرب ...

الحصتان الأولى كنت أدّرس فصل حسين وآية ... دخلت القاعة وقد بدأت خطواتي الواثقة تضطرب ... همهمة شديدة صدرت من حناجر الجميع ... إثنان وثلاثون حنجرة همهمت مع بعض ...

أربع وستون عينا ترقبني ... صدمة برزت على وجوه الجميع ... لم أتراجع عن قراري رغم شعوري بالحرج ... إبتسمت لهم وصبحت عليهم إبتسامة مشرقة ... عادتي كانت الصرامة والعبوس ...

فرصتي لإستجماع شتات روحي كانت في الدقائق التي وضعت فيها حقيبتي ... جلست على الكرسي ورفعت رأسي ... آية بعينيها البرئتين ترقبني من المقعد الأول ... لا يفصلها عني سوى نصف متر ...

نفس المسافة لكن النظرة إختلفت ... هززت رأسي أطرد صورتها وهي تتألّم لذة في حديقة منزلي ... رفعت عيني ببطئ ... لم يكن صعبا عليا إيجاده ...

حسين كعادته في المقعد الأخير ... يشاكس زميلا له ... إستجمعت قوتي ونهرته ... ثم عدت للإبتسام ...

لم أجد قدرة على التدريس ... وجودهما بعثر كياني ... أنا التي كانت تستجدي اللذة متلصصة عليهما سرّا ...

قرار صارم ... الكل يضع أدواته أرضا ... ورقة بيضاء والأقلام ... إختبار حرّ ... فرصة لأتعرّف عليهم بشكل مختلف ...

أمليت عليهم الموضوع وسط تذمر أغلبهم .... الهوايات و نظرتك للمستقبل ... العالقات ... أي شيء يخطر ببالكم ... هكذا دون تفسير ...

أردت أن أفهم كيف يفكّر هذا الجيل علي أعوض جهلي ... وأجد ما بين الأسطر مبررا تصرفات آية المؤدبة وحسين المشاكس وأمير المتمرّد ...

خيّم الصمت على القاعة سوى وقع الأقلام على خشب الطاولات ... دقائق قليلة ثم أمسكت بزمام نفسي ...

صوت وقع الكعب العالي يخرق الصمت وأنا أجول بين الصفوف الثلاث ... لم يكن يفصلني سوى طاولتان عن مكان جلوس حسين حين رفع رأسه ونظر في عيني مباشرة ...

لم أفهم سرّ إرتباكي الذي جعلني ألتف وأعود لمكاني ... كنت أشعر بعينيه تطارد إهتزاز مؤخرتي ... لجأت لمكتبي رهبة من شيء لم افهمه ...

تظاهرت بأني منشغلة ببعض الأوراق ... دقائق ورفعت رأسي ثانية ... آية تمسك بالقلم وهي تفكّر ... تضع طرفه بين شفتيها وأحيانا تمرر لسانها عليه ... لتعيد لذهني صورة لم تفارقه بعد وهي ترضع زب حسين ...

حاولت أن أغمض عيني لكن ذلك المشهد كان يسكن رموشي ... كمن نظر للفانوس مباشرة ثم أغمض عينيه ...

توجهت نحو الباب ... سرحت بنظري وتفكير ... ساحة المدرسة الفسيحة ضاقت بأفكاري ... مالذي يحدث لي ؟؟؟

جلبة أحدثها تلميذ مشاغب أعادتني للواقع ... لم يكن صعبا عليا أن أعيد الإنضباط للفصل ... وأنا التي عوّدتهم بالصرامة ...

سحبت الكرسي بجانب المكتب وجلست أراقب الرؤوس المنحنية أمامي في خضوع ... طال الصمت الذي إستهلك نصف الحصة ... حركة لا إرادية مع تماسك إضطرابي ... وضعت رجلا على رجل ...

لم أنتبه أن فستاني إنحسر للخلف قليلا كاشفا عن أسفل فخذي الأيسر ... صوت وقوع قلم آخر الفصل سحب نظري نحوه ... حسين تعمّد إيقاع قلمه لينحني متمليا في لحمي المكشوف ...

حيلته المعروفة ألهبت نار الغضب في صدري ... لكني تجمّدت مكاني ... تركته يتمتع بما يراه ... لا أنا كنت أتمتع به يراني ...

لم أقم من مجلسي حتى إنتهى وقت الفرض ... سحبت الكرسي وعدت لمكتبي ... التلاميذ يتقدمون تباعا لإرجاع أوراق إجاباتهم نحوي ... كنت منكسة رأسي أنظم الأوراق ...

رفعت نظري لأصطدم بقبة ترتفع تحت قماش بنطلون جينز أزرق ... على بعد خطوة من عيني ... حسين يضع ورقته أمامي ويرحل لاحقا برتل زملائه ... تركني والنار تجمّد حركاتي ...

لم أفق من الصعقة إلا بعد مدّة طويلة ... هل أنا سببت له ذلك ؟؟؟ لا لا هو شاب والشباب دائما هكذا ... قارنت بيني وبين آية حبيبته ... لا مجال للمقارنة ؟؟؟

لجأت لقاعة التدريس أحتضن ورقات الإجابات أستر بها دقّات قلب المتسارعة ... جلست منزوية ... لم أفهم ما شغل تفكيري ...

بدأت أقلّب الأوراق ... أقرأ الأسماء بسرعة أبحث عن ورقة حسين ... خيبة أمل أصابتني ... فخطه الرديء يصعب قراءة الأسطر القليلة التي كتبها

" لا يمكنني الحديث عن العلاقات الإنسانية ... فلم أجد بعد ما يمكنني وصفه بأنها علاقة " ... أما الثاني ... " إن كانت العلاقات الخيالية تعتبر علاقة فأنا أعيش ما لم يتخيّله أحد " " ما أهواه يصعب مناله " مستقبلي مرتبط بكلّ ما سبق "

لم أستطع أن أقرأ ولا كلمة كتبها زملاؤه ... هل يقصد ما فهمته أم أني أتخيّل أنا أيضا ...

توجهت نحو مكتب المدير وقد تحوّل لوني للأصفر شرودا ... لا يمكنني مواصلة العمل ... سأكمل الأسبوع كلّه إجازة ...

هرعت للبيت ... ماء الحمام البارد لم يفلح في إيقاظي ... دخلت السرير ونمت ... ربما أغمي عليا ...

جسدي مثقل بهموم أفكاري ... يوم وليلة لم أترك فيها السرير ... ربما هي حمى أصابتني دون حرارة ... الكلمات التي كتبها حسين تختلط بصورة آلاء ترضع زبه تطاردني ...

إحساس غريب أصابني ... إحباط شديد وإنعدام الرّغبة في كلّ شيء ... لم يهتم أحد بإنكساري ... وإن كان موقف زوجي متوقعا وتعودت عليه ... لكن أمير الذي لم يلاحظ غيابي ... كسر قلبي

لم يطلب مني حتى مصروفه اليومي ... 3 أيّام في صراع بيني وبين نفسي ... جسدي يتفاعل مع ذكرى تلك الصدفة العجيبة ... كلماته التي خطها تشير أنه يريدني ... دون شك

كلّ صباح أرابط في قاعة الألعاب التي لم أهدها لأمير بعد ... كنت أتمنى قدومهما ... صرت أحلم أن أرى زبه ثانية حتى وهو يمتع به غيري .... لكنهما لم يأتيا ...

لم أفهم ما أشعر به لكن ذلك الإحساس سيطر عليا ...

حسين وآية ... ملامح وجهها وهو يفعل بها ما يفعل أشعرتني بالغيظ ... نعم بالغيظ ... تخيّلت نفسي مكانها ... صورة قضيبه الصلب بين شفتيها لم تتركني ... أسرتني كبلت تفكيري بقيودها ...

يئست من قدومهما ... كنت اشتهي أن أرى زبه ثانية ... فجأة لمعت بذهني فكرة ... الفيس ... بسرعة بحثت عن هاتفي ... الشاشة الزرقاء ترقص بين يدي ... كتبت إسمه بكلّ الطرق الممكنة بحثا عنه لكن عبثا ...

لم أجده في قائمة المستخدمين ... لا يمكن أن لا يكون مشتركا ... دائما يعبث بهاتفه حتى وقت الدرس ... ربما هو يستعمل إسما مستعارا ... أنا كذلك أستعمل واحدا مستعارا ...

بحثت عن حساب آية ... وجدتها ... صورها مع عائلتها ... كل منشوراتها أدعية ونصائح ... ضحكت ملأ شدقيا من نفاقها الخبيث ... قائمة أصدقائها طويلة .... الأغلب حسابات معروفة ...

ثلاثة فقط منها بأسماء مستعارة ... جذبني أحدها ... الثائر ... صور لرجل مقنّع ... كل منشوراته مضحكة ... أو كلام عن الوضع و الغدر والخيانة ...

الأمر شائع بين شباب هذا اليوم ... شيئا ما بداخلي يؤكد أنه هو حسين ... ترددت كثيرا لطلب إضافته ... تحققت من حسابي عشرات المرّات علي أهملت معلومة تدلّ عن شخصيتي الحقيقية ...

عدم خبرتي دفعني لشراء شريحة هاتف جديدة ... علّه يكشف شخصيتي عبر رقمي المعروف .... تشجعت أخير وبعثت طلب صداقة ... حسابي كلّه صور من على النت ... كصيّاد مبتدئ صرت أرقب ردّه ...

دقائق إنتظار تحوّلت لساعات ... لا جديد ... سوى إشارات وإعلانات تزيّن أعلى شاشتي ...

هدوء قاتل يخيّم حولي ... فجأة نشبت معركة بين أمير وزوجي ... الصراخ ملأ المكان ... كرهت وجودي بهذا البيت ... كمن وضعت نفسها داخل قبة زجاجية ... لم أتدخّل ... الأمر لم يعد يعنيني ...

كنت أسمع صراخ زوجي وهو ينهال على أمير ضربا كعادته ... غيّرت ملابسي ومررت بجانب المعركة معتمدة الحياد ... نظرة أمير المتعجبة من خروجي متأنقة وهو يتلقى الضرب لا يمكن تجاهلها ...

هو تجاهل دعوتي لتحسين سلوكه فليتحمل مسؤوليته ... الأمر متعلّق بالمال ... ربما سرق بعضه من جيب أبيه ...

كلمات الإعجاب ونظرات الشباب تطاردني ... بلسم يرطّب قلبي ... كلهم في بداية العشرينات ... في نفس سن حسين ... هل يراني حسين بنفس عيونهم ؟؟؟ أنا صرت أراه في وجوههم ...

دخلت أحد المقاهي ... إنزويت في طاولة ... أردت مراجعة نفسي ... تيّار قوي سببته موجة تلك الصدفة عند النافذة سحبني بعيدا عن عالمي ؟؟؟ ومالذي يشدني لعالمي ؟؟ لا شيء ... كآبة تثقل صدري كلّ ما ذكرت حياتي ... فليكن سأغادر عالمي الكئيب بحثا عن السعادة ...

المقهى شبه خالي من الزبائن ... بعض العشّاق ... وبعض طالبي اللجوء مثلي ... رشفة قهوة وسحبت هاتفي أتأكد من صنّارتي ... لا شيء جديد ... وضعت الهاتف على الطاولة وسرحت في تفكيري ...

ثورتي على أوضاعي تشعرني بالرضى ... أحرقت كل ملفات الماضي ... الزواج البيت ... جديتي تفاني سأغيّر كل طباعي ... مزّقت صورة أفنيت عمري في رسمها ... فقط شيء واحد هزمني ... شعور الأمومة ...

إشارة حمراء تشع أعلى شاشتي خطفت قلبي ... الثائر قبل دعوتي للصداقة ... أصابعي ترتعش فرحة ... أمعائي تتقلّص كمراهقة تنتظر حبيبها ... بدأت أفكّر من أين أبدأ معه ...

الإشارات تتوالي وضع قلوب إعجاب على كل صوري ومنشوراتي ... بدأت أفكّر في محادثته ... لكنه سبقني في الأمر

- شكرا لك ؟؟

- على إيه المفروض إني أنا أشكرك ؟؟؟

- دا أنا إلي ممنون ؟؟؟ بس ممكن سؤال ؟؟؟

- طبعا ؟؟؟

- إنت مين ؟؟؟

- أنا بثينة ؟؟؟

- تشرفنا ؟؟؟ عمرك كام سنة ومنين ؟؟؟

تعمّدت الكذب في كل شيء إلا عمري ... كنت أريد أن أتأكد هل من هن في مثل سني لازلن مرغوبا بهنّ ممن في مثل سنّه ... أسكن مدينة بعيدة عنه ... أعمل موظفة ومتزوجة ولي 3 أطفال ... سيرة ذاتية كاملة مزورة

هو كذلك قدّم لي سيرة مغلوطة ... سمى نفسه مراد .... عمره 18 سنة ... له 3 إخوة ... أبوه متوفي ... لاشيء قاله يشبه وضع حسين سوى دراسته ....

تعارف طال ... سرقتني كلماته ... إسترسلت معه ... تجاوبت معه وتجاوب معي ... أضحكتني دعابته ... أسرتني روحه كما أسرني زبه سابقا...

رفعت رأسي للأفق لأجد أن الظلام قد حلّ ... ودعته بتعلّة تأخّر الوقت ... عالجت حزنه بموعد بعد ساعتين ...

رجعت للبيت ... تجاهلت آثار المعركة وطرفيها ... دخلت غرفتي ... تخلّصت من ملابسي .... كيلوت أزرق صغير يغطي مثلّثه شفرات كسي التي بللها ندى الرّغبة ... سوتيانة بنفس اللون ترفع صدري للأعلى ...

تعطّرت وتحضّرت لموعدي ... قلبي يخفق كاني أنتظر عشيقا يتسلل لفراشي ... سرّحت شعري ... وإستلقيت أنتظر قدومه ... ربما تمنيت قدومه ... قرّرت أن اسحبه نحوي ...

كلّما فكّرت بالتراجع عن مغامرتي المجنونة ... تظهر آية تعض شفتها متعة لتشجعني ... غيرتي أطلقت مارد الرغبة في جسدي ...

بدأ حوارنا ... بين السؤال عن الأحوال ... ماذا نفعل ؟؟؟ ... كيف الطقس ... أحسست أنه يريد أن يعرف كلّ شيء نحوي ؟؟ حماسته تلهب نار شوقي ... فجأة تراجع كلّ شيء ...

- تعرفي أنا مش مصدّق ولا كلمة ملي بتقوليها ؟؟؟

- يعني إيه ؟؟؟

- مش عارف حاسسها إشتغالة أو مقلب ..؟؟

- ليه بتقول كده ؟؟؟

- مش قادر أصدّق ؟؟ وحدة متزوجة وبتكلمني ومتفرغة عشاني وبتجاوب بكلّ عفوية ... الموضوع مش داخل دماغي ؟؟؟

- طيب خلاص إقفل وما تكلمنيش ثاني

- ماهي هي دي المصيبة مش قادر ؟؟؟

- مش فاهمة ؟؟؟

- في إحساس جويا بيدفعني إني أصدقك ؟؟؟

- طيّب والحل ؟؟؟

- بس أتأكّد ؟؟؟

- إزاي ؟؟؟ اشوفك ؟؟؟

- فين ؟؟؟ ما ينفعش ؟؟

- لا صورة منك ؟؟؟

- دلوقتي ؟؟؟

- آه ؟؟؟

- أصلي مش مستعدة ؟؟؟

- مش مشكة إحنا بقينا أصحاب ؟؟؟

- لا قصدي أنا مش لابسة هدومي ؟؟؟

- عز الطلب ؟؟؟

لا أعلم كيف إستسلمت لرغبته ... وافقت على إرسال صورة له لمن مع إخفاء وجهي ... عدة محاولات نجحت بعدها في إلتقاط صورة ... نعم عارية إلا من ملابسي الدّاخلية ...

- يا خرابي دا إنت مزة المزز ...

- بطل ... ما بحبش كده ...

- ما بتحبيش ليه ؟؟؟ دا إنت قمر ؟؟؟

إستمر يتغزّل بي ... كنت التهب شوقا له مع كل كلمة يرسلها .... قال أنه لولا المسافة لهجم على بيتي وليكن ما يكون ... كلامه شجعني ... رحت أروي له ظروفي مع زوجي وقلّة إهتمامه ... قال إنه يعشق النساء في سني ... بل كلّ جيله يتمنى ذلك ...

المرأة في منتصف العمر هي حلم المراهقين ... شجعني كلامه على المواصلة ... نمت على ظهري أتوسد مخدة تفرك ما بين فخذي ... حديثه ألهب مشاعري ... حرّك رغبتي ... لا مجال للتراجع ...

يومان مرا على نفس النسق ... نسهر للفجر ... أغلقت كلّ منفذ يستطيع ضميري تأنيبي عبره ... ثالث يوم قررّت أن أوجه نظر حسين لي ...

رفضت كلّ طلباته للجنس عبر الهاتف ... رغم إصراه ... أردت تذكية نار رغبته حتى أسحبه لشبكتي .... بدأ يشكو محنته ورغبته فيا ويلعن المسافات التي باعدت بينه وبين حلمه الأزلي ...

- طيّب إن كنت أنا بعيدة عنّك شوف مين قرّيب منك ؟؟

- بتقولي إيه ؟؟؟

- قلت إيه غلط ؟؟؟

- يعني مش حتزعلي ؟؟؟ كنت فاكرك بتحبيني ؟؟؟

- بحبك دا إيه ؟؟؟ إحنى مجرّد أصدقاء على الفيس جمعنا حاجة واحدة بنتمناها ؟؟؟

- هي الحكاية كده (شعرت بالحزن يقطر من بين الحروف)

- إنت عندك فكرة ثانية ؟؟؟

- أه أجيلك ؟؟؟

- تجيلي فين دي تبقى مصيبة ؟؟

- ليه بس ؟؟؟ مادمت عاوزة أجيلك ؟؟

- طيب وحأقابلك فين وإزاي ؟؟؟ أنا حتى لو فكّرت إني أحول رغبتي لحقيقة حأشوف حد قريب مني ... وجودو جنبي يكون طبيعي ؟؟؟ ما يثيرش شكوك ؟؟؟

- و أنا ؟؟؟

- شوف وحدة قريبة منك ؟؟؟ وحدة من جيرانكم ؟؟؟؟

- كلهم غفر ومش حأقدر أغامر معاهم ؟؟؟

- صحبات مامتك ؟؟؟

- متهيألي صعب ؟؟

- وحدة مالأساتذة إلي بيدرسوك ؟؟؟

- إنت ناوية تسجنيني ؟؟؟

- مش حتقلي إني ما فيش مدرسات حلوين في مدرستك ؟؟؟

- لا هو في بس دي عملية إنتحار ؟؟؟

- إزاي ؟؟؟

- تتخيلي إني حأروح لمدرسة أطلب منها نعمل سكس وتوافق ؟؟

- لو عرفت تحدد هدفك وإزاي تخليها تهتم بيك ممكن تنجح ؟؟؟

- إزاي ؟؟؟ كلامك بيلخبطني ؟؟

بدأت أحوّل تفكيره من عشيقة الهاتف للواقع ... ثم تدريجيا نحو مدرساته ... ثم نحوي أنا تماما ... بوصف وضعية تشبه وضعية التي يعرفها الجميع ...

ثم نصحته بالإهتمام بالمادة التي تدرّسها ... كثرة المشاركة والأسئلة ... كمرحلة أولى ... أحسست أنه سيطير من الفرحة لخطتي ...

إنتهت إجازتي بعد أن صرت أتحكّم بتصرفات حسين عن بعد ... إتفقت معه على أن يجلب نظرها طوال الحصّة ثم يسألها آخر الحصة عن شيء لم يفهمه ... كنت أرمي بخطتي إقتراح تقديم دروسا خصوصية له على إنفراد ...

دخلت القسم صبيحة الإثنين تتصارع الرغبة والشوق لنتيجة خطتي ... حسين منحشر في آخر القاعة دون حركة ... تعمّدت تشريك الجميع في الدرس ... عبثا لم يتكلّم ولم يهتم ... بدأ الإحباط يسيطر علي ... إحباط تحوّل لمرارة هزيمة مع جرس نهاية الحصّة ...

خرج الجميع تباعا حين تقدّم مني أحد التلاميذ ... أسمه هيثم ... الأكثر إهمالا بين أترابه ... أصلا كنت لا أدرك وجوده ... إسمه هيثم ... بدأ يسألني عن بعض النقاط في الدّرس ...

طعم مرارة الخيبة يطغى على حلقي ... لم يعلق بصنّارتي سوى السمكة العمياء ... نظرة إليه بإشمئزاز ... وحاولت الخروج من الموقف دون إحراج ... مجرّد تخيّله يدفعني للغثيان ...

لم أعلم كيف أنهيت ذلك اليوم ... أغلقت هاتفي وإرتميت في سريري أتجرّع خيبتي ... أنا من وضعت نفسها في ذلك الموقف ... راجعت كلّ حساباتي ... لم أحدّث الثائر وقرّرت عدم التفكير في الموضوع ...

طردت صورة حسين وآية من رأسي نهائيا ... مغامرتي كادت تتحوّل لمصيبة ... يحترق جلدي من حرارة الخجل كل ما تذكّرت فعلتي ... صورتي عارية بين يدي ذلك المقرف ... الأكيد أن الكل يتداولها ...

لا يمكن له كتم السر ... ربما سيستعملها لجلب إهتمام أترابه ... رعب شديد تملكني وأنا أتخيلها تصل لأمير ... بعض الطمأنينة تغطيني حين أعيد التملي فيها ... لا شيء يدلّ أني صاحبتها حتى أثاث الغرفة ...

مرّ اليوم الموالي عادي ... بدأت أعيد التفكير في مشكلة أمير ... لم يلتحق بالمدرسة ولم أراه أصلا ... أي أم أنا ؟؟؟

بعدها بيوم كان فصل حسين وآية وهيثم على قائمة جدول أوقاتي ... حسين كان متغيبا عن الدرس ... أخبرني زملائه أنه إلتحق بالجيش كضابط صف ... يئس من الدراسة وقرر بداية حياة جديدة ... خبر نزل كالصاعقة عليا ...

سخرت من القدر ... عشيقي الوهمي صار أحد المستجدين عند زوجي ... نظرت لآية ... لم يظهر عليها أي علامة من علامة الحزن أو التأثر لغياب حبيبها ؟؟؟ مشرقة ناشطة مبتسمة مؤدبة كعادتها ...

المثير في الأمر أن هيثم صار يشع نشاطا بالفصل ... شعره مسرّح ملابسه نظيفة ... رائحة عطر تفوح منه ... كلامه منمق وموزون ...

ربما كان عزائي أن نتيجة مغامرتي أن حوّلت ذلك المهمل المقرف لمشروع شاب ناجح ... قررت أن أواصل معه ولو لمرّة أخرى ...

فعلا فتحت هاتفي تلك الليلة ... لم يسمح لي الثائر أن أقرأ الفقرات التي أرسلها لي مستفسرا عن غيابي ... بادرني بالسؤال عن السبب ... أخبرني بكلّ التطورات ... أعلمته أن يواصل في خطته وأن يجتهد في كل المواد ... علّه يصل لمراده ... بكى كثيرا عندما أعلمته أن علاقتنا يجب أن تنتهي هنا ...

خشيتي أن يكتشف أحد علاقتنا كانت هي التعلّة ... وداع مريح بالنسبة لي حزين بالنسبة له مع نصائح بالمواصلة على دربه الجديد ...

أسبوع مرّ ثقيلا ... حسين إختفى ... ودفنت ورائه زهور رغبتي التي لم تتفتح ... مغامرة حمقاء كنت سأقع فيها ... كل شي بدا ثقيلا سوى صورة هيثم التي إنقلبت رأسا على عقب ... حسنة يمكن أن تخفف عني ذنوب رغبتي ...

في آخر الأسبوع وجدت ورقة من زوجي يعلمني أنه سيغيب لمدة أسبوعين في العمل ... صراحة لم يعد يؤثر فيا غيابه بل صرت أتمناه لما يبعث في البيت من سكينة ... ورقت إستغللتها لبداية محاولة جديدة مع هيثم ...

إنتظرته أن يستيقظ في المطبخ ... قبل خروجه مددت له الورقة التي أبدى عدم إكتراث لمحتواها ... هددته أني سأغلق الباب من الداخل لو تأخّر عن السابعة مساءا ... لست قادرة على تحمّل ليلة رعب أن يقتحم أحد غريب بيتي في غيابهما ...هو رجل البيت منذ الآن ...

أحسست أني تلك الجملة أسعدته ... وفعلا آتى تهديدي أكله ... أو ربما المديح ... السادسة والنصف كان موجودا بالبيت ... سعيدة لبداية تحكمي بتصرّفاته ... لكنه لا زال يتجاهلني ... دخل غرفته وأغلق الباب على نفسه ...

إختلست النظر فسمعت صوت حاسوبه يفتح ... لسنا مشتركين في النت .... عدت لغرفتي وقد بدأ بصيص نور الأمل يشع في آخر نفق يأسي ...

ما نجحت في فعله مع هيثم الغريب ... يمكن فعله مع أمير القريب

حسن السلوك

    {{#invoke:ChapterList|list}}